خالد حسو

تمهيد

الجيش في الدولة الحديثة ليس مجرد قوة مسلحة، بل مؤسسة قانونية دستورية، تُنشأ لحماية الدولة والمجتمع، لا للهيمنة عليهما. وظيفته لا تُقاس بحجم السلاح أو عدد الجنود، بل بمدى خضوعه للدستور، وحياده السياسي، وتمثيله لجميع المواطنين دون تمييز. ومن هنا، فإن أي نقاش حول الجيش هو في جوهره نقاش حول طبيعة الدولة نفسها.

النص

من المنظور الدستوري، يُعرَّف الجيش بوصفه مؤسسة وطنية نظامية دائمة، تُنشأ بموجب الدستور والقانون، وتخضع للسلطة المدنية الشرعية، وتُكلَّف حصريًا بحماية سيادة الدولة ووحدة أراضيها والدفاع عن أمنها الخارجي. ولا يملك الجيش أي شرعية خارج هذا الإطار، ولا يجوز له التدخل في الحياة السياسية أو التنافس على السلطة.

في الدول الديمقراطية، يقوم وجود الجيش على ثلاثة أسس رئيسية:
أولًا، الخضوع الكامل للسلطة المدنية المنتخبة، بما يضمن عدم تحوّل السلاح إلى أداة فرض سياسي.
ثانيًا، الحياد السياسي والعقائدي، بما يمنع انقسام المؤسسة العسكرية على أسس أيديولوجية أو مذهبية أو قومية.
ثالثًا، المواطنة المتساوية، بحيث يعكس الجيش تنوّع المجتمع الذي ينتمي إليه ويحميه.

في الحالة السورية، يتجلّى الخلل بوضوح في غياب إطار دستوري جامع ينظّم العلاقة بين الدولة والجيش. هذا الغياب حوّل القوة المسلحة من أداة قانونية إلى واقع مفروض، ومن مؤسسة وطنية إلى بنية متشظية، فاقدة للمرجعية القانونية الموحدة.

وتبرز هنا إشكالية تسمية “الجيش العربي السوري” بوصفها مثالًا صارخًا على الخلل الدستوري والسياسي. فهذه التسمية لا تعكس الواقع الاجتماعي لسوريا كدولة متعددة القوميات والأديان والثقافات، بل تنطوي على دلالة إقصائية، توحي بأن الجيش مرتبط بهوية قومية واحدة، ما يتعارض مع مبدأ المواطنة المتساوية، ويقوّض شرعية الجيش كمؤسسة جامعة.

إن الدستور الحديث لا يعترف بجيوش ملوّنة قوميًّا أو دينيًّا، بل بجيوش وطنية تمثل جميع المواطنين دون استثناء. وأي تمييز في هوية الجيش، سواء في التسمية أو البنية أو العقيدة، يشكّل انتهاكًا لمبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان، ويحوّل الجيش من عامل وحدة إلى سبب انقسام.

كما أن استمرار سياسات الإقصاء والتهميش، وغياب الاعتراف الدستوري بالتعددية القومية والدينية، أسهما في تفكك مفهوم الجيش الوطني، وفتحا الباب أمام نشوء قوى مسلحة متعددة الولاءات، تعمل خارج إطار الدولة والقانون.

خاتمة

إن إعادة بناء الجيش في سوريا لا يمكن أن تتم بمعزل عن إعادة بناء الدولة نفسها. فلا جيش وطني بلا دستور عادل، ولا قوة شرعية بلا مواطنة متساوية، ولا أمن حقيقي في ظل الإقصاء والتمييز.

الجيش الذي تحتاجه سوريا هو جيش دستوري، وطني، محايد سياسيًا، خاضع للسلطة المدنية، ومعبّر عن تنوّع المجتمع السوري بكل مكوّناته. عندها فقط، يمكن أن يكون الجيش درعًا للوطن، لا أداة قسر، وضامنًا لوحدة الدولة، لا سببًا في تفككها.

يتبع في الحلقة الثانية: الحياد السياسي للجيش وأثر تسييس المؤسسة العسكرية