د.محمود عباس
يأتي هذا النص اليوم ردًّا على تصاعد الخطاب الأيديولوجي الذي يُعاد فيه إنتاج أوهام «الحضارة» لتبرير الفشل السياسي، وشرعنة الاستبداد، وتغطية جرائم أنظمة وحركات دينية متطرفة، وفي مقدمتها ما يُسمّى بالحكومات الإسلامية والحكومة السورية الانتقالية، التي توظّف الدين غطاءً لعجزها عن بناء دولة الإنسان والقانون.
لم يبنِ العرب ولا المسلمون حضارة بالمعنى الفلسفي–المؤسسي للكلمة، بل أسسوا إمبراطورية توسّعت بالقوة السياسية والعسكرية. والفرق بين الإمبراطورية والحضارة جوهري، فالإمبراطورية تقوم على الغلبة والفتح والسيطرة، أما الحضارة فتقوم على العقل النقدي، والتراكم المؤسسي، وسيادة القانون الوضعي، والشك الخلّاق، وتداول المعرفة بحرية.
ما يُروَّج له بوصفه «حضارة إسلامية» ليس سوى تراكمٍ عفوي لمنجزات شعوب متعددة عاشت داخل فضاء تلك الإمبراطورية، فرس، أمازيغ، سريان، كورد، أقباط، هنود، يونان، وغيرهم. هذه المنجزات لم تكن نتاج مشروع حضاري إسلامي، بل جرى لاحقًا تديينها وتعريبها خطابيًا، وسرقتها رمزيًا، وتقديمها على أنها برهان تفوق ديني، في واحدة من أكبر عمليات التزوير الثقافي في التاريخ.
الدين، أيّ دين، لا يبني حضارة، ولن يكون يومًا أساسًا حضاريًا؛ لأنه يقوم على المطلق واليقين المغلق، بينما تقوم الحضارة على النسبية، والنقد، والتجربة، والتراكم، وإمكانية الخطأ، وحين يُقدَّم الدين بديلاً عن العقل، تتحول المجتمعات إلى كيانات جامدة، تكرر الماضي وتخاف المستقبل. وهذا ما يتجه إليه سوريا ومستقبل الشعوب السورية.
الدين، أيّ دين، لا يبني حضارة، ولن يكون يومًا أساسًا حضاريًا؛ لأنه يقوم على المطلق واليقين المغلق، بينما تقوم الحضارة على النسبية، والنقد، والتجربة، والتراكم، وإمكانية الخطأ. وحين يُقدَّم الدين بديلاً عن العقل، تتحول المجتمعات إلى كيانات جامدة، تكرّر الماضي وتخاف المستقبل. وهذا بالضبط ما يتجه إليه واقع سوريا ومستقبل شعوبها، في ظل الحكومة الحالية.
التباهي بما يُسمّى «الحضارة عبر الإسلام» ليس سوى تعويض أيديولوجي عن غياب بناء حضاري حقيقي، ويُستخدم لتبرير الاستبداد، وإسكات النقد، وتخدير الشعوب بشعارات مجيدة تخفي واقعًا متخلفًا. وهذا بالضبط ما تفعله اليوم الحكومات الإسلامية، والحكومة السورية الانتقالية، وسائر الأنظمة المماثلة، ومعها المنظمات التكفيرية.
فهذه الكيانات لم تشوّه الإسلام كدين فحسب، بل دفعت شعوب المنطقة مئات السنين إلى الوراء، وأبعدتها عن القيم والمفاهيم الحضارية العالمية. وما تلتقطه من فتاتٍ شكلي من الحداثة أو القوانين أو الخطاب السياسي، لا ينقذ هذه الشعوب من الدمار الفكري العميق الذي خلّفته أنظمة متطرفة، واستبدادية، وعنصرية، جعلت من الدين أداة قمع، ومن الهوية سلاحًا، ومن الإنسان ضحية دائمة.
لا تُبنى الأوطان بالخطب، ولا تنهض المجتمعات بالأوهام، ولا تُستعاد الكرامة بتقديس الماضي. الحضارة تُبنى حين يُحرَّر العقل، وتُصان الكرامة، ويُعاد الإنسان إلى مركز الفكرة. وكل ما عدا ذلك، ليس إلا إعادة إنتاج للخراب، بلغة مقدسة.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
