د.خيرالدين حسن
منذ الإعلان عن اتفاق 10 آذار بين أحمد الشرع ومظلوم عبدي، بات واضحاً أن ما جرى لا يمكن قراءته كتحول سياسي عميق بقدر ما هو نتاج لحظة توازن عسكري وأمني. الاتفاق وُلد من رحم الضرورة، لا من رؤية وطنية شاملة لمستقبل سوريا أو لمكانة الكورد فيها. هو تفاهم بين سلطتي أمر واقع، أكثر منه عقداً سياسياً يعالج جذور المشكلة.
الإشكالية الأساسية لا تتعلق فقط بمضمون الاتفاق، بل بإطاره التمثيلي. فالمفاوضات انحصرت بقوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية، دون إشراك بقية القوى الكوردية، وفي مقدمتها المجلس الوطني الكوردي، ودون أي تفعيل فعلي لمخرجات الكونفرانس الكوردي المشترك الذي عُقد في نيسان، والذي كان يفترض أن يشكّل المرجعية السياسية الجامعة لأي تفاوض مصيري.
هذا المسار يفتح الباب أمام نتيجة خطيرة: أي اتفاق مستقبلي قد يظل محصوراً في الجغرافيا التي تسيطر عليها قسد اليوم، بينما تُترك المناطق الكوردية الأخرى – عفرين، سري كانيه، گري سبي – خارج أي صيغة سياسية كوردية موحدة. وهكذا يتحول الاتفاق من فرصة لتوحيد القضية إلى أداة لتكريس واقع مجتزأ.
حتى المقترحات المتعلقة بدمج قسد ضمن الجيش السوري تكشف غياب الرؤية الشاملة. الحديث يدور عن تشكيل فرق وألوية جديدة تتمركز في الجزيرة والفرات ودير الزور، دون أي نقاش جدي حول مستقبل المناطق الكوردية المحتلة، أو الجهة التي ستديرها، أو الضمانات السياسية والإدارية لسكانها. هذا الفراغ ليس تفصيلاً تقنياً، بل مسألة تمس جوهر وحدة كوردستان سوريا.
الأخطر من ذلك أن الاتفاق لا يتعامل مع الكورد بوصفهم شعباً ذا حقوق جماعية، بل يختزلهم في توصيف “مجتمع كوردي”، وهو توصيف يتناقض مع القانون الدولي ومع ما أقرّه الكونفرانس الكوردي المشترك لاحقاً. هنا لا نتحدث عن صياغة لغوية، بل عن اعتراف سياسي من عدمه.
في هذا السياق، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: لماذا لم يتم تفعيل الوفد الكوردي المشترك حتى الآن؟ هذا الوفد، الذي يُفترض أن يكون الإطار التفاوضي الجامع، بقي معطلاً، فيما استمرت المفاوضات الثنائية وكأن القرار الكوردي بات محصوراً بجهة واحدة تملك القوة على الأرض.
زيارة مظلوم عبدي إلى دهوك كانت لحظة كاشفة. طريقة الاستقبال، وترتيب الجلوس، والرسائل غير المعلنة، كلها عكست تحوّلاً في أولويات الفاعلين الإقليميين. قسد تُقدَّم اليوم كشريك أساسي، فيما جرى تهميش المجلس الوطني الكوردي، في إشارة واضحة إلى إعادة تعريف “من يمثل القضية الكوردية” في سوريا.
إقليم كوردستان العراق، بعلاقاته المتقدمة مع تركيا، يرى في الاتفاق فرصة لحماية مصالحه وضمان دور مستقبلي في سوريا. الولايات المتحدة بدورها رحبت بالاتفاق لأنها تبحث عن استقرار قابل للإدارة والتنفيذ، لا عن حلول عادلة ومعقدة للحقوق القومية. في هذا المناخ، تصبح القوة الميدانية هي معيار الشرعية السياسية.
لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه القوة إلى أداة إقصاء داخلي. إذا استمرت قسد في إدارة الملف منفردة، فإنها قد تتحول – بقصد أو دون قصد – إلى حاجز أمام وحدة الصف الكوردي، وتترك المناطق المحتلة رهينة تفاهمات إقليمية لا يملك الكورد فيها سوى هامش ضيق.
الحقيقة الواضحة أن مفاتيح عفرين وسري كانيه وگري سبي ليست في دمشق ولا في الحسكة، بل في أنقرة. والجهة الوحيدة القادرة نظرياً على تحريك هذا الملف هي إقليم كوردستان العراق، عبر شبكة علاقاته وتعقيدات التفاهم بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني وحزب العمال الكوردستاني، اللذين يمتلك كلٌ منهما نفوذه داخل الساحة الكوردية السورية.
من هنا، يصبح تفعيل الوفد الكوردي المشترك ضرورة سياسية لا تحتمل التأجيل. الضغط يجب أن يُمارَس على دمشق، لكن أيضاً على قسد، لفتح الباب أمام تمثيل كوردي حقيقي وشامل. من دون ذلك، ستبقى الاتفاقات أدوات لإدارة النفوذ لا مشاريع لاستعادة الحقوق .
أسئلة صعبة، وإجاباتها ليست بسيطة… وربما تكون هي جوهر المرحلة القادمة.
