الحلقة الثانية:
خالد حسو
تمهيد
تُعدّ المؤسسة العسكرية في الدولة الحديثة مؤسسة دستورية سيادية، تُنشأ لحماية الدولة والمجتمع بمختلف مكوّناته وشعوبه وقومياته وأعراقه ضمن إطار قانوني واضح. ولا يقتصر دور الجيش على الدفاع الخارجي، بل يرتبط مباشرة بصون النظام الدستوري ومنع انهيار الدولة. ويُشكّل الحياد السياسي للمؤسسة العسكرية أحد المبادئ الجوهرية التي تضمن مهنيتها، وتمنع تحويلها إلى أداة صراع داخلي أو وسيلة لفرض خيارات سياسية بالقوة.
النص
يقوم مبدأ الحياد السياسي على فصل الجيش عن التنافس السياسي والأيديولوجي، ومنع انخراطه في الصراعات الحزبية أو القومية أو المذهبية. ويهدف هذا المبدأ إلى حصر وظيفة القوات المسلحة في حماية السيادة الوطنية وسلامة الأراضي، وخضوعها الكامل للدستور والقانون والسلطة المدنية.
ويحقق هذا المبدأ ثلاث وظائف أساسية:
- حماية الدولة ووحدتها الدستورية
يضمن الحياد السياسي بقاء الجيش أداة سيادية لحماية الدولة، لا طرفًا في الصراع على السلطة. فالدولة التي يُسيَّس جيشها تفقد أحد أهم عناصر استقرارها، ويتحوّل الجيش من مؤسسة جامعة إلى عامل انقسام. - حماية المجتمع والحقوق الأساسية
يمنع الحياد استخدام القوة العسكرية لفرض خيارات سياسية على المواطنين، ويُسهم في حماية الحقوق والحريات العامة، ويحول دون عسكرة الحياة السياسية وتحويل الخلافات المدنية إلى صراعات مسلحة. - تعزيز الشرعية القانونية والمؤسسية
يساهم الجيش المحايد في ترسيخ الثقة بين المؤسسة العسكرية والمجتمع، ويؤكد أن ولاء الجيش هو للدستور والقانون، لا للأشخاص أو الأيديولوجيات، ما يعزّز شرعية الدولة ومؤسساتها.
في السياق السوري، أدّى تسييس المؤسسة العسكرية وربطها بالسلطة الحاكمة والأيديولوجيا الحزبية إلى إضعاف طابعها الوطني، وتقويض ثقة المجتمع بها. كما انعكس ذلك في تفكك بنيتها الداخلية، وتعزيز الولاءات الخاصة، واستخدامها كأداة ضبط داخلي بدل كونها مؤسسة لحماية المجتمع.
وقد أسهم غياب الحياد السياسي في إضعاف مفهوم الجيش الوطني الجامع، وفتح المجال أمام تعدّد التشكيلات المسلحة الخارجة عن الإطار القانوني، الأمر الذي عمّق أزمة الدولة، وأضعف احتكارها المشروع لاستخدام القوة.
خاتمة
إن الحياد السياسي للمؤسسة العسكرية ليس مبدأً نظريًا، بل شرطًا دستوريًا لبقاء الدولة وحماية المجتمع. فكل جيش يفقد حياده يتحوّل من عنصر استقرار إلى طرف في الصراع، ويصبح جزءًا من الأزمة بدل أن يكون أداة لمعالجتها.
يتبع في الحلقة الثالثة:
تسمية «الجيش العربي السوري» وأثرها على الشرعية الوطنية
