د.محمود عباس

لا يمكن للشريحة الفاسدة التي صعدت على غفلةٍ من التاريخ، ولا لمجموعات الذباب الإلكتروني، إنكارُ أن للكورد دورًا مميّزًا في صعود الإمبراطوريات الإسلامية، سياسيًا وعسكريًا وإداريًا. فقد شكّل الكورد، عبر قرونٍ طويلة، قوةً مركزية في حماية تلك الإمبراطوريات، وتوسيع نفوذها، وإدارة جغرافياتها، من الدولة الأيوبية إلى الزنكية، وصولًا إلى أدوارهم اللاحقة في مفاصل الحكم والجيوش. غير أنّ هذا الدور، مهما كان حاسمًا، لم يكن مشروعًا حضاريًا بالمعنى الفلسفي–المؤسسي، بل مساهمةً في بناء إمبراطوريات توسّعية حكمها منطق السلطة، لا منطق الحضارة.
تميّز الدور الكوردي بأنه لم يقترن بمشروع إقصائي أو عنصري أو تبشيري قسري، ولم يسعَ الكورد، بخلاف غيرهم، إلى تديين منجزاتهم أو تعريب الجغرافيا أو طمس هويات الشعوب الأخرى. ولذلك، ظلّ حضورهم التاريخي أقل ضجيجًا في الخطاب، وأكثر اتساقًا في الفعل، وهو ما يفسّر محاولة تهميشه لاحقًا ضمن سرديات «الحضارة الإسلامية» التي صادرت أدوار الشعوب غير العربية.
الكورد لم يدّعوا يومًا أنهم بنوا حضارة باسم الدين، ولم يوظّفوا الإسلام كأداة تفوّق أو شرعنة للهيمنة. بل كانوا جزءًا من صيرورة إمبراطورية أكبر، ساهموا في صعودها، ثم دفعوا ثمنها تهميشًا وإنكارًا وتقسيمًا عندما انهارت، على عكس النخب العروبية التي ورثت السلطة واحتكرت الرواية.
من هنا، فإن استعادة الدور الكوردي ليست تباهيًا تاريخيًا، بل تصحيحًا لسردية إمبراطورية مزوّرة، فالكورد كانوا شركاء في القوة، لا شركاء في الوهم الحضاري، ولم يكن غيابهم عن خطاب «الحضارة» نقصًا في الفعل، بل نتيجة إقصاءٍ متعمّد فرضته القوميات السائدة لاحقًا.

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية