أحمد إسماعيل إسماعيل
يقتل المستبد المبدع الذي لا ينتمي إلى مدجنته حين يجهر برأيه، ويتناساه حين يموت.
أما المجتمع المتخلّف، فيقتل المبدع لمجرّد خروجه عما تواضع عليه من أعراف وقيم وثقافة؛ بالتهميش تارة، وبالتشهير تارة أخرى.
وقد فعل ذلك مع المسرحي المصري نجيب سرور، ومع الفنان الهولندي فان غوغ، الذي انتهى إلى الانتحار نتيجة تهميش المجتمع له، بعدما وجد المجتمع في فنه ما يخالف ذائقته السائدة. فراح يروّج لجنونه، ويستعيد حادثة قطع أذنه وتقديمها هدية لحبيبته، أكثر مما استعاد لوحاته الخالدة مثل: ليلة النجوم ولوحة دوّار الشمس.
وكذلك كان الحال مع أبي العلم الحديث غاليليو غاليلي، الذي خالف قوانين الكنيسة حين أكّد مركزيّة الشمس ودوران الأرض.
ولكن، ويا للمفارقة، فإن هذه المجتمعات سرعان ما تعود بعد زمن لتمجيد هؤلاء الكبار، ولا سيما بعد موتهم؛ لا من باب الندم، ولا انطلاقًا من مبدأ “اذكروا محاسن موتاكم”، ولا حتى إقرارًا بالخطأ، بل لأنها تجد فيهم مادة حيّة تتغذّى عليها؛ فتمضغ عصارة أرواحهم، وأفكارهم، وإنجازاتهم، ثم تلفظ ما تبقى منهم إلى الدود.
هكذا فعلت مع فان غوغ، ونجيب سرور، وغاليليو، والكاتب الكردي موسى عنتر.
ولا بد من الإسراع بالقول: لا يقتصر واجب المبدع على أن يكون الحاسّة السادسة ، وربما السابعة ، لمجتمعه، وإن كان هذا جوهر دوره كمثقف؛ بل لا بدّ للمجتمع، في المقابل، من أن يحتوي مبدعه، ويكرّمه، ولو بالكلمة الطيّبة.
ومن الإنصاف أن نشير إلى أنّ ظهور بعض المتطفّلين على المشهد الثقافي، وتعكير صفوه بممارساتهم القميئة وهلوساتهم، واستعراضاتهم ونفاقهم، وغير ذلك من عيوب في المشهد الثقافي… دوره في زيادة قتامة المشهد أمام أنظار المجتمع المكبلة روحه أصلاً بقيود الجهل والتجهيل والقهر.. والتي تزداد يوماً بعد يوم.
