د.محمود عباس
لطالما كانت بريطانيا لاعبًا مركزيًا في هندسة السياسة العالمية، وصاحبة تأثير عميق، مباشر أو غير مباشر، في صياغة الاستراتيجية الأميركية. ومن هذا الموقع، جاء إعلانها توسيع العقوبات على سوريا، عبر إضافة شخصيات وفصائل مصنّفة إرهابية إلى لوائح العقوبات السابقة، في توقيتٍ بالغ الدلالة، تزامن مع قرار واشنطن تعليق عقوبات «قانون قيصر» عن الدولة السورية بشروط.
هذا التقاطع لم يكن عابرًا، بل كشف أن الموقف البريطاني يلتقي مع جوهر الشروط التي أرفقها الكونغرس بعملية التعليق، في مقابل اندفاعة الإدارة الأميركية الخاضعة لضغوط المال الخليجي واللوبي التركي، وحسابات الرئيس الشخصية. فبريطانيا، بخبرتها الطويلة، تدرك بدقة اتجاهات المشهد السوري، وتعي المخاطر الكامنة في حال ترسّخ الفكر التكفيري وتحوّله إلى بنية مجتمعية تُنتج جيلًا سلفيًا متطرّفًا.
كما تفهم لندن حدود الانفتاح الذي تُبديه الحكومة السورية الانتقالية، وتقرأه بحذر، سواء في خطابها الخارجي أو في وعودها للسوريين العائدين. ومن هنا، جاءت العقوبات البريطانية رسالة سياسية واضحة: ضبط المسار قبل الانفلات، ومنع تحويل سوريا إلى فراغ أيديولوجي يُعاد تصديره خطرًا إقليميًا ودوليًا.
فبريطانيا، بخلاف الاندفاعات الظرفية، لا تُراهن على الوعود، بل تُمسك بالمخاطر قبل أن تتحول إلى وقائع، وتُذكّر بأن مستقبل سوريا لا يُدار بالشعارات ولا بالتطبيع السريع، بل بضبط الأيديولوجيا ومنع إعادة إنتاج الإرهاب بثوبٍ جديد.
