د.خيرالدين حسن

القضية الكردية في سوريا تمرّ اليوم بواحدة من أدق مراحلها. ليس لأن التهديدات جديدة، بل لأن مصادرها باتت أوضح وأكثر جرأة. سلطة جديدة في دمشق تلوّح بخطاب مركزي لا يعترف بالشراكة الحقيقية، وتركيا تواصل، بشكل غير مباشر لكن فعّال، سياسة الضغط والتهديد عبر أدواتها وخطاباتها وتحركاتها الميدانية. وبين هذا وذاك، يُدفع الكرد مرة أخرى إلى زاوية ردّ الفعل.

التهديد القادم من السلطة الجديدة ليس عسكريًا فقط، بل سياسي في جوهره. هو تهديد يقوم على إعادة إنتاج منطق الدولة الواحدة الصلبة، مع تغيير في الوجوه لا في البنية. يُطلب من الكرد القبول بالعودة إلى “المركز” دون ضمانات دستورية، ودون اعتراف فعلي بالحقوق القومية، وكأن السنوات الماضية لم تكن سوى خطأ عابر يجب تصحيحه.

أما التهديد التركي، فهو أكثر تعقيدًا. لا يأتي دائمًا بالدبابات، بل بالضغط المستمر، وباستخدام الفصائل، وبخلق مناخ دائم من القلق وعدم الاستقرار. الهدف واضح: منع أي شكل من أشكال الاستقرار الكردي في سوريا، حتى لو كان ضمن إطار وطني سوري، لأن مجرد وجود نموذج كردي مستقر يُنظر إليه كتهديد استراتيجي.

في هذا المشهد، تتكاثر الأصوات التي تطالب بردود متشنجة وقرع طبول الحرب، وكأن الانفعال هو الرد الوحيد الممكن. لكن الحقيقة أن الاستفزاز، في هذه المرحلة، ليس اختبار شجاعة بل فخ سياسي. كل رد غير محسوب يمنح خصوم القضية الكردية ما يحتاجونه: تحويل ملف الحقوق إلى ملف أمني، وتحويل الكرد من طرف يطالب بالشراكة إلى طرف يُتَّهَم بتهديد “وحدة الدولة”.

نعم، للكرد في سوريا عناصر قوة حقيقية، عسكرية وسياسية ومجتمعية. لكن هذه القوة تفقد معناها إن لم تُدار بعقل استراتيجي. القوة لا تعني الرد على كل تهديد، بل تعني اختيار اللحظة، والأداة، والساحة المناسبة. أحيانًا يكون الرد الأقوى هو تثبيت الموقف سياسيًا، لا الانجرار إلى مواجهة تُفرض علينا بشروط الآخرين.

الدبلوماسية هنا ليست ضعفًا ولا هروبًا. هي ضرورة وجودية. التفاوض، مهما كان صعبًا ومليئًا بالألغام، يبقى ساحة يمكن فيها تثبيت الحقوق أو على الأقل منع تصفيتها. الانسحاب من هذه الساحة لا يُسقط التهديد، بل يتركه يتقدم دون مقاومة.

وفي خضم هذا كله، لا يمكن تجاهل الدور السلبي الذي يلعبه بعض الخطاب الكردي نفسه على وسائل التواصل. خطاب يزايد، يحرّض، ويُبسّط التعقيد، وكأن القضية منشور عابر لا مصير شعب. أخطر ما في هذا الخطاب أنه يُسهِم في تدويل الخطأ الكردي: أي تحويل كل زلة لسان أو موقف انفعالي إلى أداة تُستخدم دوليًا لتبرير الضغط أو التدخل.

القضية الكردية في سوريا اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الأصوات العالية، بل إلى وضوح سياسي، وانضباط في الخطاب، وقدرة على التمييز بين من يهدد وجودنا فعليًا، ومن يستفزنا ليجرّنا إلى الخطأ.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يجب ألا نهرب منه:
هل نريد حماية القضية الكردية من التصفية، أم الاكتفاء بإثبات حسن النية أو البطولة الكلامية؟

الفرق بين الخيارين… هو الفرق بين سياسة تُنقذ ما يمكن إنقاذه، وضجيج يبدد كل شيء.