د.خيرالدين حسن
حين يُستبدل المصدر بالمنصة
تشهد البيئة الإعلامية المعاصرة تحوّلًا عميقًا في آليات إنتاج الأخبار وتداولها، بفعل تصاعد دور وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها مصدرًا أوليًا للمعلومات. غير أن هذا التحوّل، بدل أن يُعيد تعريف الممارسة الصحفية على أسس أكثر شفافية، ساهم في تكريس أنماط مقلقة من النشر غير المتحقق، سواء داخل المؤسسات الإعلامية أو على مستوى الأفراد والصفحات العامة.
تتمثل إحدى أكثر هذه الظواهر إشكالية في إعادة نشر المحتوى المتداول على منصات التواصل الاجتماعي، لا سيما فيسبوك، بصيغة أخبار مؤكدة، مع إلحاقها بعبارة “مصدر خاص”. في هذا السياق، لا يعود “المصدر” كيانًا بشريًا أو مؤسسيًا يمكن مساءلته أو تقييم مصداقيته، بل يتحول إلى المنصة نفسها، مع ما يحمله ذلك من التباس مفاهيمي ومهني.
المنصة ليست مصدرًا
في الأدبيات الإعلامية الكلاسيكية، يُعرّف المصدر بوصفه جهة تمتلك معرفة مباشرة بالحدث، أو إمكانية موثوقة للوصول إلى معلومات دقيقة حوله. أما المنصات الرقمية، فهي فضاءات نشر لا أكثر؛ تتيح تداول المعلومة، لكنها لا تمنحها صفة الصحة أو الدقة. الخلط بين المنصة والمصدر يؤدي إلى انهيار أحد أهم أعمدة العمل الصحفي: التحقق.
تعميم الممارسة خارج الإطار المؤسسي
لا تقتصر هذه الإشكالية على المؤسسات الإعلامية، بل تمتد إلى الأفراد وصفحات الرأي العام، حيث يُعاد إنتاج المحتوى ذاته عبر آلية النسخ واللصق، مع إضافة تعليقات توحي بالتحليل أو الاطلاع، دون تقديم أي قيمة معرفية إضافية أو جهد توثيقي. غير أن خطورة الظاهرة تتضاعف حين تصدر عن مؤسسات تمتلك رأس مال رمزي وثقة متراكمة لدى الجمهور.
من منطق الخبر إلى منطق الانتشار
يمكن فهم هذا السلوك في ضوء التحول من “اقتصاد الخبر” إلى “اقتصاد الانتباه”، حيث تُقاس قيمة المادة المنشورة بقدرتها على الانتشار والتفاعل، لا بمدى دقتها أو أهميتها. في هذا السياق، تصبح السرعة عاملًا حاسمًا، بينما يُنظر إلى التحقق بوصفه عائقًا زمنيًا يمكن تجاوزه.
تفريغ المصطلحات من معناها المهني
يُعد الاستخدام الفضفاض لعبارة “مصدر خاص” مثالًا واضحًا على تفريغ المفاهيم الصحفية من مضمونها. فالمصطلح، في الأصل، يشير إلى معلومة غير متاحة للعامة، حصل عليها الصحفي عبر علاقة مهنية تتطلب التحقق والحماية والمساءلة. أما استخدامه للإشارة إلى محتوى متداول علنًا، فهو ممارسة تُضعف المعايير المهنية وتُربك المتلقي.
أثر ذلك على الثقة العامة
إن استمرار هذا النمط من النشر يسهم في تآكل الثقة بين الجمهور ووسائل الإعلام، ويُنتج فضاءً معلوماتيًا مشوشًا، تتداخل فيه الحقيقة مع الإشاعة. ومن المفارقة أن الجمهور يُلام لاحقًا على “تصديق كل ما يُنشر”، في حين أن الخلل الأساسي يكمن في آليات الإنتاج نفسها.
نحو استعادة المعنى المهني
لا تكمن المشكلة في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كمصادر أولية، بل في غياب الشفافية حول طبيعة هذه المصادر. الإقرار بعدم التأكد، أو توصيف الخبر بوصفه “متداولًا” لا “مؤكدًا”، لا يُعد ضعفًا مهنيًا، بل التزامًا أخلاقيًا.
في عصر الفوضى الرقمية، لا تُقاس مهنية الإعلام بسرعة النشر، بل بقدرته على التمييز بين المنصة والمصدر، وبين الانتشار والمعرفة. واستعادة هذا التمييز ليست خيارًا نظريًا، بل شرطًا أساسيًا لبقاء الصحافة بوصفها ممارسة معرفية مسؤولة.
