جوان ديبو
لطالما أحالتنا المسألة السورية منذ بزوغها الأولي في أعقاب الحرب العالمية الأولى، مروراً برحيل الفرنسيين والانقلابات التي شهدتها الدولة السورية ذات الولادة العسيرة والقيصرية والقسرية، وإنتهاء بفرار الطاغية بشار الأسد، وتسليم مفاتيح دمشق الى الإسلاميين المتشددين، إلى مفهوم الدولة الوطنية الفاشلة أو إلى حالة التعثر والإخفاق في بناء الدولة الوطنية الحديثة القابلة للعيش والبقاء. وربما أن أكثر تمظهرات الفشل والتعثر والإخفاق تجلت في عدم فهم واستيعاب النخب السياسية والعسكرية الحاكمة التي تعاقبت على حكم سوريا بطرق غير ديمقراطية وغير انتخابية وبوسائل انقلابية او بتوافقات إقليمية ودولية بأن سوريا التي ولدت وظهرت وفق إرادات اللاعبين الخارجيين وليست وفق إرادات جميع مكوناتها، لا يمكن حكمها وفق نظام أحادي مركزي ذو لون واحد، ولا مناص من الإتيان بنموذج حكم فيدرالي أو لا مركزي موسع. والفيدرالية هنا في حال تبنيها وتطبيقها لن تكون هبة أو منة أو منحة بقدر ما ستكون محاولة إعادة بعض الاعتبار والاحترام للمكونات التي تم انضوائها في سوريا عنوة ورغماً عنها وبدون أخذ رأيها. التمظهر الثاني الناتج عن الأول هو أن الحكم المركزي في سوريا وفي الدول التي تشبهها من حيث التعددية العرقية والدينية والطائفية والمذهبية لا يمكن أن يكون إلا استبداديا وديكتاتوريا وقهريا، والدليل هو تعاقب الانقلابيين والمستبدين فقط على حكم دمشق منذ مغادرة الفرنسيين وإلى الوقت الحاضر. طالما تشبث الفاتحين الجدد في دمشق وأسيادهم في أنقرة بالحكم المركزي المستبد والظالم فلن تكون سوريا سوى مشروع دولة فاشلة متأرجحة غير قابلة للظهور والاستقرار والاستمرارية والبقاء، والطريقة الوحيدة التي من شأنها تحويل هذا المشروع إلى واقع وحقيقة قابلة للديمومة هي تبني نظام حكم فيدرالي ينعم الجميع تحت ظله ببعض الحريات وقليلاً من الأمان والمساواة.
