د.خيرالدين حسن
في كل مرة يظهر فيها المطبلون للسلطة السورية الجديدة على شاشات القنوات السورية و العربية، يتكرر الخطاب ذاته:
قسد لا تمثل الكرد السوريين، قسد ميليشيا انفصالية، قسد مشروع مفروض بقوة السلاح.
خطاب جاهز، مكرر، يُقال بثقة عالية، وكأنه حقيقة مكتملة لا تقبل النقاش.
لنفترض – جدلًا لا إقرارًا – أن هذا الكلام صحيح.
لنفترض أن قسد فعلًا لا تمثل الكرد السوريين.
السؤال البسيط الذي يرفض هؤلاء الإجابة عنه هو:
أين هم الممثلون الحقيقيون للكرد؟
السلطة السورية، القديمة والجديدة، تعرف جيدًا من هم الفاعلون السياسيون الكرد، وتعرف الأحزاب، والشخصيات، والتيارات، والمجتمع المدني، بل وتعرف حتى المنقسمين والمختلفين فيما بينهم. ومع ذلك، مرّ أكثر من ثلاثة عشر شهرًا دون أن نسمع تصريحًا واحدًا من “مسؤول” سوري يتحدث بوضوح عن رؤية، أو خطة، أو حتى نية للتعامل مع القضية الكردية بوصفها قضية وطنية حقيقية.
لا دعوة لحوار.
لا إطار تمثيلي بديل.
لا مبادرة سياسية.
ولا حتى خطاب طمأنة.
فإذا كانت قسد – بحسب روايتهم – لا تمثل الكرد، فلماذا لم تُدعَ أي جهة أخرى؟
وإذا كانت السلطة حريصة فعلًا على “وحدة سوريا”، فلماذا تُترك شريحة قومية كاملة في حالة فراغ سياسي متعمد؟
الحقيقة التي يتم القفز فوقها أن نزع الشرعية عن قسد لم يكن يومًا مدخلًا لبناء تمثيل كردي بديل، بل كان أداة لتجميد القضية الكردية نفسها.
الخطاب لا يقول: “نريد تمثيلًا كرديًا أفضل”،
بل يقول ضمنيًا: “نريد كردًا بلا تمثيل”.
وهنا جوهر المشكلة.
الدولة التي لا تعترف بوجود مشكلة، لا تبحث عن حلول.
والسلطة التي تهاجم طرفًا دون أن تفتح بابًا سياسيًا بديلًا، لا تمارس سيادة، بل إدارة إنكار.
الأخطر من ذلك أن هذا الخطاب الإعلامي لا يستهدف قسد فقط، بل يستهدف أي محاولة كردية مستقبلية لتنظيم الذات سياسيًا. الرسالة واضحة: أي تمثيل كردي مستقل سيتم وسمه سلفًا بالانفصال، مهما كان شكله أو مضمونه.
القضية الكردية في سوريا ليست رهينة قسد، لكنها أيضًا ليست فراغًا يمكن تجاهله.
ومن يريد إقناع السوريين بأن المشكلة هي “الميليشيات”، عليه أولًا أن يشرح لهم لماذا لم تُفتح السياسة أصلًا.
أما الاكتفاء بالصراخ على الشاشات، فهو أسهل بكثير من مواجهة السؤال الحقيقي:
هل لدى السلطة السورية استعداد للاعتراف بالكرد كشركاء؟ أم أن المطلوب فقط كرد بلا صوت؟
هذا السؤال، حتى اللحظة، لم يجرؤ أحد على الإجابة عنه.
