د.محمود عباس
مسألتان لا يمكن التعامل معهما بوصفهما تفاصيل جانبية، بل كمؤشّرين استخباريين على خلل عميق في بنية القرار داخل السلطة السورية الانتقالية، وعلى صراع مراكز نفوذ بلغ مرحلة الانكشاف.
الأولى تتعلق بإدارة الرواية والسيطرة على الصورة، فإذا كان الرئيس أحمد الشرع مقرّرًا له أن يظهر علنًا بعد موجة الشائعات التي جرى تسريبها حول مقتله أو إصابته، فإن صدور بيان متعجّل من وزارة الداخلية لنفي الحدث يطرح سؤالًا مباشرًا، من اتخذ قرار النفي؟ ولماذا الآن؟ وفي أي غرفة عمليات صيغ البيان؟ في العرف السياسي والأمني، الظهور العلني يُسقط الإشاعة فورًا، أما النفي المسبق فيُستخدم عادة حين يكون الظهور غير مضمون، أو حين تخشى جهة ما من فراغٍ في القيادة أو من انفلات السردية. حين يسبق البيان الصورة، تصبح الحقيقة نفسها قيد الاختبار، ويغدو النفي علامة ضعف لا قوة.
المسألة الثانية أخطر، لأنها تمسّ البنية العملياتية للصراع الجاري، بات من الثابت، وفق نمط متكرر، أن أي تصعيد عسكري يستهدف مناطق قوات سوريا الديمقراطية يسبقه حراك تركي سياسي–أمني، غالبًا عبر قنوات مباشرة مع شخصيات محورية داخل الحكومة السورية الانتقالية، وفي مقدمتها وزير الخارجية أسعد الشيباني، الذي تحوّل عمليًا إلى قناة النفوذ التركي الأكثر فاعلية داخل هذا التشكيل.
في هذا السياق، لا يمكن اعتبار وجود وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في فرنسا تفصيلًا دبلوماسيًا عابرًا. فالرجل ظهر في باريس في التوقيت ذاته الذي تُدار فيه محادثات حساسة بين وفدين سوري وإسرائيلي، تحت إشراف أمريكي مباشر. فرض فيدان نفسه على المشهد، لا بصفته طرفًا تفاوضيًا معنيًا بالمسار السوري–الإسرائيلي، بل كفاعل يسعى إلى إعادة إدخال تركيا قسرًا في معادلة يُعاد رسمها من دونها. وجوده ولقاؤه بأسعد الشيباني لم يكونا صدفة، بل محاولة لإعادة تثبيت رواية تركية قديمة–جديدة، أن أنقرة هي من “أنقذت سوريا”، أو أنها البديل القادر على ملء الفراغ الأمريكي–الإسرائيلي، وهي الرواية ذاتها التي استُخدمت سابقًا لتبرير تعويم هيئة تحرير الشام وإحلالها محل نظام بشار الأسد المجرم، وفرض هذا المسار على روسيا كأمر واقع.
ما يجري في حلب، وتحديدًا في الشيخ مقصود والأشرفية، لا يمكن فصله عن هذا الصراع المكتوم. المؤشرات الميدانية توحي بأننا أمام مواجهة داخلية بين تيارين، تيار راديكالي تدفع به تركيا ويستند إلى منظمات ذات خلفية تكفيرية، وتيار آخر مدعوم أمريكيًا، يُراد له أن يُنتج واجهة “سنّية ليبرالية” أقل صدامية، وأكثر قابلية للاعتراف الدولي، تمهيدًا لبناء أجهزة أمن وسلطة يمكن تسويقها كبديل “مستقر” في المرحلة المقبلة.
وفق هذا التقدير، تبدو حلب مرشّحة لأن تكون نقطة الانفجار الأولى، لا بين قوات قسد وأدوات تركيا كما يُسوّق إعلاميًا، بل بين أدوات تركيا نفسها، وبين الشبكات الداعمة لأحمد الشرع داخل بنية الحكم. انفجار قد يفضي إلى أحد سيناريوهين، إما تعزيز موقع الشرع وتقليص هامش التدخل التركي، ما سيُترجم بتراجع حضور هاكان فيدان واقتصاره على زيارات محسوبة، أو العكس تمامًا، أي صعود أكثر فجاجة لرجال أنقرة، وفي مقدمتهم أسعد الشيباني، بما يعني تسريع انهيار التوازن الهش داخل السلطة الانتقالية.
في كلا السيناريوهين، ومع إعادة واشنطن تقييم استراتيجيتها في سوريا، تقترب لحظة نهاية الدور الوظيفي للمنظمات التكفيرية، لا لأنها فقدت عنفها، بل لأنها لم تعد صالحة للاستخدام في معادلة دولية تبحث عن إدارة الفوضى لا انفجارها، وفي هذه المرحلة، تُستبعد الأدوات حين تتحول من ورقة ضغط إلى عبء أمني غير قابل للضبط.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
