خالد حسو

الكلام القاسي والحاسم في القضايا الكبرى لا يعكس بالضرورة قوة، بل غالبًا ما يكشف عن هشاشة داخلية لدى صاحبه، حتى وإن بدا واثقًا. الإفراط في الجزم قد يكون محاولة للتغطية على الخوف، كمن يرفع صوته في العتمة ليقنع نفسه بالأمان.
وفي أفضل الأحوال، يدل هذا النوع من الخطاب على ضعف في الذكاء العاطفي أو فقر في الحس الإنساني. العقول العميقة والمتزنة تجد صعوبة في اختزال البشر ضمن تصنيفات نهائية، أو في رؤية العالم بالأبيض والأسود فقط. لهذا، ترفض هذه العقول التصنيفات المطلقة التي تُبقي الإنسانية في صراع دائم، صراع لا يربح فيه أحد، بل يخسر الجميع.
لا يمكن تجاهل الدور السلبي الذي يلعبه جزء واسع من الإعلام العربي، حيث يُمارس — بوعي أو دون وعي — خطاب كراهية وتحريض وإقصاء وتهميش، وأحيانًا تبرير للعنف والتطرف، موجّهًا ضد الشعب الكوردي وقضيته القومية العادلة. هذا الخطاب لا يخدم الحقيقة، ولا يعزز التعايش، بل يعمّق الانقسامات ويعيد إنتاج الأزمات.
ولا يمكن فصل هذا الخطاب عن الواقع المأساوي للكورد، وخصوصًا في مدينة حلب، حيث يتعرض المدنيون — رجالًا ونساءً وأطفالًا — لممارسات قاسية ووحشية ولا إنسانية من فصائل مسلحة متعددة الجنسيات، منضوية ضمن ما يُسمّى بالجيش السوري والمدعومة من تركيا. هذه الانتهاكات تستهدف الإنسان بسبب هويته، وتشكل امتدادًا عمليًا لثقافة الإقصاء وتجريد الآخر من إنسانيته.
الدولة التركية، التي تدعم هذه الفصائل، أثبتت أن سياساتها لا تهدف إلى خير أو استقرار أو أمن حقيقي، لا للكورد ولا لغيرهم، بل إلى تعميق الفوضى واستخدام العنف كأداة سياسية، على حساب حياة المدنيين وكرامتهم ومستقبل المنطقة بأسرها.
ورغم كل ذلك، يؤكد الكورد، شعبًا وقضية، رفضهم المبدئي لثقافة الكراهية وخطاب التحريض، وتمسكهم بالقيم الإنسانية والعدالة، وحق الشعوب في التعبير عن ذاتها بكرامة. ومع ذلك، يبقى من الضروري التفريق بين هذا الخطاب الإقصائي، وبين الأصوات العربية المتنورة، والأصدقاء العرب الأوفياء والصادقين، الذين نكن لهم كل الاحترام، والذين يشكلون جسورًا حقيقية للتفاهم والتضامن الإنساني.
حين تُفرغ العقول من إنسانيتها عبر تصنيفات سطحية وقاطعة، تصبح الكراهية أمرًا حتميًا، وتتحول “الوطنية” إلى شعارات مصطنعة، كما حدث مع كثير من القوميات الزائفة التي لم تحصد منطقتنا منها خلال القرن الماضي سوى الانقسام والدمار. وهكذا يظل التصنيف، مرة أخرى، أصل كل كراهية… وكل حرب.