د.خضر حسن

أعتقد أن معركة شيخ مقصود كانت نتيجة تفاهمات إسرائيلية – تركية – أمريكية، تتنازل بموجبها تركيا، الحاكم الفعلي لمناطق سيطرة الشرع، عن ريف دمشق لإسرائيل مقابل منع أي تدخل دولي لحماية الأكراد في حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حال استعملت تركيا القوة لإخراجهم منها، لتصبح مدينة حلب بأكملها تحت السيطرة التركية. وعلى الأرجح أن الشرع ومظلوم عبدي كانا على علم بذلك، وفي جميع الأحوال، إن كانا على علم بذلك أو لم يكونا على علم به، فليس لهما أي تأثير على حتمية تنفيذها، ولن يستطيعا منعها. وإن محاولة أي من الطرفين، الشرع أو عبدي، إعاقة تنفيذ التفاهمات الإسرائيلية – التركية – الأمريكية تعتبر بمثابة انتحار عسكري، وهذا ما حدث بالفعل عندما رفضت أساييش شيخ مقصود الانسحاب من الحيين. وقد يكون غياب الشرع وعبدي عن الإعلام قبل معركة الشيخ مقصود والاشرفية بثلاثة أيام على الأقل، نتيجة فرصة الأيام الثلاثة الأخيرة قبل التنفيذ، ليسحب عبدي الأساييش خارج حلب دون سفك دماء، وليُعد الشرع فرق العمشات والحمزات والسلطان، المجهزة بسلاح الجيش التركي، لخوض معركة كسر العظم.

إذا صحت هذه الرؤية، فإن مظلوم عبدي يتحمل المسؤولية الأخلاقية عن جميع تلك الأرواح وتلك الدماء التي زهقت في هذه المعركة، إن لم يكن قد سخّر جميع طاقاته لإقناع المسلحين الكرد بالخروج من الحيين. وربما فعل الرجل ذلك، إلا أن الأساييش رفضوا الانسحاب، أو أن قرار الصمود والمقاومة جاء من قنديل!

حتى الآن، يبدو أن تركيا لن تسمح بإقامة أي كيان كردي في غرب كردستان، يستلهم فكره من فلسفة أوجلان، حتى لو كلفها ذلك التنازل عن دمشق وحمص وحماة لإسرائيل. بالمقابل، أمريكا لن تتنازل عن آبار النفط وغيرها من خيرات باطن الأرض في شرق سورية، والتي لا نعلم عنها إلا القليل مع الحديث عن وجود عنصر اليورانيوم بكميات كبيرة في تلك المنطقة. لكنها مستعدة لاستبدال حُراس الآبار وتستغني عن حراسة الكرد للآبار بحُراس تأمن جانبهم تركيا، كالعمشات والحمزات وفرقة السلطان. أما الساحل فهو من حصة روسيا ومياهه غير شهيّة لأمريكا، وهو لا يشكل خطراً على إسرائيل أو تركيا.

المعركة لن تتوقف عند حلب، بل ستستمر إلى الحد الذي تسمح به أمريكا، آبار النفط. أي أن سيطرة قسد سوف تنحصر في المنطقة الممتدة من ريف دير الزور الشرقي والحدود مع العراق حتى حقول الجبسة والشدادي فقط.

الأمل الوحيد للكرد في الحصول على بعض حقوقهم هو مشاركة المجلس الوطني الكردي وأكاديميين مستقلين في رسم سياسة غرب كردستان، ودمج الـ YPG مع بيشمركة روج في كيان عسكري ذو طابع قومي كردي، وباسم جديد وقيادة ولوغو جديدين، وإعطاء ضمانات لتركيا بعدم المساس بأمنها القومي. في هذه الحالة، لن تمانع تركيا، بضغط أمريكي، من منح كرد غرب كردستان بعض الحقوق السيادية مقابل عقود استثمار طويلة الأمد لشركات تركية في غرب كردستان.

بالنسبة لخارطة الشرق الجديد التي يعمل عليها الغرب منذ سنوات، وربما تشمل الخارطة الجديدة “دولة كردستان”، فالوقت غير مناسب الآن لعدة أسباب، منها: على الصعيد الداخلي، عدم وضوح الرؤية بعد بالنسبة لمستقبل سوريا وحدود أقاليمها، بالإضافة إلى انتشار عدد كبير من الجهاديين الأجانب على امتداد مناطق سيطرة الحكومة الانتقالية. أما على المستوى الإقليمي، فإن أحداث إيران وإمكانية تدخل دولي فيها، تفرض على أمريكا التريث في اتخاذ أي قرار مصيري بشأن سوريا.