د.خيرالدين حسن
ليست المشكلة في صورتين.
المشكلة في الدولة التي تسمح للأولى، وتُنتج الثانية.
في الجنوب السوري، على تلال القنيطرة، يُرفع العلم الإسرائيلي علنًا.
مشهد صادم، لكنه يمرّ بلا ردّ فعل يُذكر، بلا خطاب سيادة، بلا غضب رسمي، وبلا حتى تبرير مقنع.
وفي الشمال، في حيّ الأشرفية بحلب، صورة أخرى لا تقل قسوة:
تحية من كردستان… يقابلها الرصاص.
مدنيون أكراد يُقتلون. العدد غير مُعلن بدقة، لا بيان واضح، لا تحقيق شفاف، وكأن الدم الكردي لا يستحق حتى رقمًا.
هنا لا نتحدث عن حادثتين منفصلتين.
نحن أمام مفارقة أخلاقية وسياسية فاضحة.
في الجنوب: صمت أمام علم أجنبي.
في الشمال: عنف جاهز ضد مكوّن سوري أصيل.
أي منطق هذا؟
وأي دولة تُبنى بهذه المعايير؟
إذا كانت “سوريا الجديدة” تُقاس بالسيادة، فالعلم الإسرائيلي في القنيطرة فضيحة وطنية.
وإذا كانت تُقاس بالعدالة، فدماء الكرد في الأشرفية إدانة سياسية وأخلاقية.
المسألة لم تعد خطأ أمنيًا ولا تجاوزًا فرديًا.
ما نراه هو سلوك سلطة:
سلطة لا تعرف الشراكة، لا تؤمن بالتعدد، ولا تجيد سوى لغة القوة.
قبل الكرد، كان الدور على الدروز.
وقبلهم، على العلويين.
واليوم، يتكرر المشهد نفسه:
قمع في الداخل، ومرونة مريبة في مواجهة الخارج.
هذا ليس انتقالًا سياسيًا.
هذا استبداد يُعاد تدويره بوجوه جديدة وشعارات مختلفة.
السوري الذي يُطلب منه الصبر، من حقه أن يرى عدالة.
والكردي الذي يُطلب منه التضحية، من حقه أن يسأل بصوت عالٍ:
لأجل ماذا؟ ولأجل من؟
الدولة لا تكون “جديدة” بتغيير الخطاب،
بل حين يكون دم أي سوري خطًا أحمر،
وحين لا يُرفَع علم غريب بلا حساب،
ولا يُقتل مدني لأنه لا ينتمي لهوية الحاكم.
هاتان الصورتان تختصران المرحلة:
سلطة تُهادن الخارج… وتبطش بالداخل.
إذا كانت هذه هي سوريا التي تتشكل اليوم،
فالسؤال لم يعد: ماذا نريد من سوريا؟
بل: هل هذه سوريا التي نريدها أصلًا؟


