جان إلياس
لا يخفى على أحد أن القوى الدولية الكبرى هي اللاعب الأساسي في رسم ملامح الشرق الأوسط، في ظل هشاشة معظم الدول العربية عسكريًا وسياسيًا وأمنيًا، الأمر الذي أتاح لتلك القوى التغلغل في مفاصل القرار والتحكم بمصير هذه الدول. وتُعدّ سوريا المثال الأبرز على ذلك، بحكم موقعها الجغرافي وثرواتها وأهميتها الاستراتيجية…
منذ ما يقارب أربعة عشر عامًا، تعيش سوريا حالة من التشرذم والنفوذ المتعدد، حيث تتقاسم أربع دول رئيسية السيطرة الفعلية على أراضيها:
إسرائيل في الجنوب، وروسيا على الساحل السوري، وتركيا في الشمال الغربي ومدينة حلب، والولايات المتحدة في شمال شرق البلاد، بينما تُترك بقية المناطق لإدارة الحكومة السورية الجديدة أو المؤقتة، وسط غموض شديد…
حتى اللحظة، لا توجد رؤية واضحة لشكل الدولة السورية القادمة: هل ستكون دولة مركزية، أم لامركزية، أم فيدرالية؟ وهل ستُدار جميع المناطق تحت اسم «الجمهورية العربية السورية» أم سيُعاد النظر في هوية الدولة نفسها؟
في هذا السياق، تبدو الحكومة المؤقتة منشغلة بتثبيت موطئ قدم لها في المشهد السياسي القادم، سعيًا لضمان حصتها في مستقبل السلطة، أكثر من انشغالها ببناء مشروع وطني جامع.
إن ما جرى في حيي الشيخ مقصود والأشرفية لا يمكن فصله عن هذا المشهد العام، إذ يُنظر إليه كجزء من مخطط أوسع يستهدف تغيير التركيبة الديمغرافية، تمهيدًا لفرض ترتيبات سياسية وأمنية جديدة تتلاءم مع شكل الحكم المقبل…
ولا يُستبعد، في ظل هذه المعطيات، أن تُدفع سوريا مستقبلًا نحو الوصاية الدولية أو وضعها تحت الفصل السابع، بعد اكتمال توزيع الأدوار والنفوذ بين القوى المتدخلة، ليُدار البلد عبر واجهات محلية موالية لهذه الدول، بما ينسجم مع مصالحها…
وكما جرت العادة، يبقى التمويل الخليجي حاضرًا بقوة، يؤدي دور الممول الرئيسي، دون مساءلة حقيقية، في مشهد يعكس حجم الارتهان السياسي وغياب القرار الوطني المستقل…
