عبدالباقي اليوسف
أكثر من ستة عقود من الاضطهاد الممنهج ضد الكرد في سوريا، ومرور أكثر من ستين عاماً على “إحصاء 1962” الجائر الذي سلب الجنسية من 120 ألف مواطن كردي في ليلة وضحاها، ومع ذلك، لم يسجل التاريخ يوماً خروج مظاهرة واحدة أو اعتصام شعبي من “الشارع السوري” تضامناً مع شركائهم في الأرض والوجع.
ويا للمفارقة المريرة؛ ففي إسرائيل —ورغم حدة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وصولاً إلى العمليات الانتحارية ضد المدنيين— كنا وما زلنا نشاهد قطاعات من المجتمع الإسرائيلي تخرج في تظاهرات حاشدة تنديداً بسياسات دولتهم تجاه الفلسطينيين. أما في واقعنا، فالمشهد مقلوب تماماً!
خلال سنوات الانتفاضة ضد نظام البعث، ادعى قطاع واسع من “المعارضين” إيمانهم بحقوق الكرد، وألقوا بتبعات الاضطهاد على كاهل الديكتاتورية وحدها. لكن اليوم، نراهم ينخرطون ب حماسة في آلة الدعاية ضد الكرد، ويصورونهم كعدو “صهيوني” جديد، في وقتٍ تتفاوض فيه الحكومة الانتقالية في باريس وتتنازل عن أجزاء من الأرض والسيادة الوطنية لإسرائيل نفسها!
إلى أولئك المتوهمين بالانتماء الطائفي للسلطة الانتقالية في دمشق، والذين يحركهم منطق “انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً” بجهالة: سيأتي اليوم الذي تندمون فيه، ولن ينفع حينها ضرب الرؤوس. انظروا إلى تجربة النظام البائد؛ فماذا جلب نظام الأسد للعلويين؟ لم يورثهم إلا الاحتقان الشعبي والدمار الذي طال وجودهم بعد الانهيار، رغم أن الطائفة ككيان لم تكن يوماً شريكة في قرار النظام، بل كانت وقوداً لحروبه.
التاريخ لا يرحم الذين يبيعون شركاءهم في الوطن مقابل أوهام طائفية أو وعود خارجية. الفصل الجديد من تاريخ سوريا يجب أن يُبنى على حل قضية المكونات السورية، وهواجسهم، مما حدث ضد العلويين والدروز، ومؤخرنا ما جرى ضد الكورد في حيي الاشرفية وشيخ مقصود، لا على تكرار خطايا الماضي بوجوه جديدة.
