د.محمود عباس
½
في عام 2011 خرجتُ مع عائلتي إلى شوارع هيوستن، لا بدافع الحماسة وحدها، بل بإحساسٍ عميق بأن لحظة تاريخية تُولد، وبأن الثورة السلمية ضد الطاغية بشار الأسد ونظام البعث تستحق أن يُرفع صوتها في كل مكان. كنت من بين الأوائل الذين بادروا إلى تنظيم تلك المسيرات، نشرنا الدعوات، وتوافقنا أن يكون اللقاء كل يوم أحد، في المنطقة التجارية – كالاريا، على شارع ويست هايمر.
حصل أديب حفيد أديب الشيشكلي، بمساعدة أحد خواله من الأخوة آل البرازي من مدينة حماة، على الترخيص الرسمي، فأصبحت مسيراتنا تحت حماية أمنية مشددة، واستمررنا قرابة عام كامل، كل يوم أحد، إلى أن تقلّص الجمع تدريجيًا، وبقينا في النهاية أنا وابن أديب الشيشكلي الأصغر، نقف وحدنا تقريبًا، نحمل لافتتين بأيدينا لنصف ساعة، تحرسنا سيارة الأمن، ثم نودّع بعضنا بصمتٍ ثقيل.
لست هنا بصدد استعادة شهور التظاهر بحد ذاتها، بل ما جرى من نقاشات حادة ومفصلية في الشهور الأخيرة قبل أن تذبل المسيرات، تلك التي بدأت بعد أشهر من النشاط، حين ظهرت الموجة المسلحة ضد النظام، وانتقلت المسيرات السلمية إلى مسار الصراع المسلح. يومها بدأت ملامح الإسلام السياسي تتسلل حتى إلى مسيراتنا في الخارج. ومع اشتداد خلافي معهم، اختفى الجميع تقريبًا؛ بعضهم سافر للانضمام إلى مجموعات بدأت تتشكل بدعم قطري وتركي وسعودي، بدرجات متفاوتة، علما كنا على أبواب تشكيل منظمة سياسية وطنية.
عارضت ورفضت منطق تحويل الثورة من انتفاضة شعبية سلمية إلى ثورة إسلامية مسلحة، في تلك اللحظة أدركت، بوضوحٍ مؤلم، أن الثورة الديمقراطية بدأت تتراجع أمام التكفيريين والجهاديين. ظهر التكفير، وارتفعت صيحات “الله أكبر”، لا إيمانًا بالله ولا طلبًا لخلاص سوريا، بل بوصفها شعارًا مرعبًا لإخضاع المخالفين وإرهاب المجتمع. احتموا بالدين لتدمير الثورة السورية من الداخل.
منذ أن خرجت المسيرات في سوريا من أمام المساجد بعد صلاة الجمعة، بدأت صورة الثورة تتشوّه تدريجيًا. غير أن الثقافة الكوردية، بطبيعتها الرافضة للتعصّب الديني، دفعت الشباب الكورد، خلافًا لغالبية الأحزاب، إلى الابتعاد كلما تصاعدت موجة الإسلام السياسي. وكانوا من أوائل من اصطدموا بالمجلس الوطني السوري بسبب هيمنة الإخوان المسلمين عليه، كما انسحب كتّاب ومثقفون كانوا من رواد الثورة وانتقدوا مسارها، وشكّلوا معارضات عصرية ديمقراطية حافظت على روح الثورة في مواجهة النظام المجرم، وفي الوقت ذاته في مواجهة التنظيمات التكفيرية التي شاركته تدمير سوريا.
في تلك المرحلة طُلب مني، جهات سياسية، حضور مؤتمرات سرية في قطر، فرفضتها بعنف. كنت أراقب نهر المال السياسي وهو يتدفق بأساليب متنوعة وبسيولة مريبة، يُقدَّم كإغراء فاضح، والبعض يتباهى بها وبجهارة على مبدأ دعم الثورة، بلغني أنهم بعد الخروج من احد الاجتماعات السرية في الدوحة استلم كل فرد شيك بمبلغ مئة الف دولار.
هاجمتهم في نقاشات كثيرة وحادة، وشرحت لهم، بحدسٍ سياسي مبكر، إلى أين ستقود تلك الأموال. أتذكر أنني قلت لأحدهم، وكان من الإخوان المسلمين، في نقاش محتدم، إن النظام ساقط حتمًا، لأن الطغاة يحملون بذرة فنائهم في داخلهم، وإن الثورة السلمية قادرة على بناء سوريا ديمقراطية. ضحك ولم يصدق. أكملت حديثي وقلت، لكن ما تقومون به سيطيل عمره، وستُقتل سوريا. يومها استخدمت تعبير “سوريا اللقيطة”. كان الحديث في مقهى اكسبريس، في سهرة شبه عائلية، قال لي بثقة إن آل الأسد باقون لعقود، سألته، إذا كنت تؤمن بذلك، فلماذا تطالبون إذن بالصراع المسلح؟
يتبع…
