د.محمود عباس


2/2
تلك الطفرات الفكرية انتشرت في الخارج ثم نُقلت إلى الشرق الأوسط، تبنتها قطر، ودُفعت بها سوريا إلى الجحيم، وكانت النتيجة أن خرج النظام من برجه المحصّن إلى الساحة، حاملًا كل أنواع الأسلحة، يقتل الشعب بلا تمييز، بوحشية ازدادت فظاعة مع الزمن. وفي المقابل تفاقم التكفير والتعصب الديني، وغاب مفهوم الوطن. وكانت النتائج، كما نعرف جميعًا، تدخلات إقليمية ودولية، انتهت حين اقتضت مصالحهم بأن تُسلَّم سوريا إلى حكومة تكفيرية إرهابية، منشقة عن داعش، تابعة للقاعدة، تمجّد الاستبداد والنظام المركزي الإسلامي، أي حكم الإمارة.
فهذه المسيرة التي طالت أربعة عشرة سنة، والعشرات من المؤتمرات، والمؤامرات، والتحالفات، والملايين من الدولارات، بل المليارات، أخرجت سوريا من تحت نير نظام مجرم استبدادي قومي مقيت، يعادي الشعب الكوردي بشكل خاص، والمعارضة بكل مكوناتها بشكل عام. إلى تحت عباءة الحكومة الإسلامية التكفيرية التي تعادي الكورد بلباقة، تصنّف حراكهم وفق منهجيتها، تشيطن طرفًا وتكفّر آخر، وتدّعي أن الكورد “إخوة” وتحارب حراكه وترفض قضيته القومية، كما وتعادي المكونات السورية الأخرى على أساس المذهب والطائفة، وتصنّف المعارضة وفق المنهجية ذاتها. وهنا تكمن الكارثة الكبرى، النظام المجرم والمقبور دمّر سوريا، أما النظام الذي سيتبلور مع السنوات وربما الشهور يذيبها.
فالدمار الطائفي الجاري في سوريا، والقتل على الهوية من الساحل السوري وحيث العلويين إلى الدروز في السويداء، وصولًا إلى محاربة الشعب الكوردي في غربي كوردستان، نابع من منهجية لا تقل بشاعة عن منهجية البعث والأسد المقبور، أنه منهجية الإسلام السياسي الذي سيطرت على المعارضة طوال أربعة عشرة سنة، المبنية على الأيديولوجية الدينية المتشددة التي ترفض الآخر.
لهذا فالهجوم المتواصل خلال الأيام الماضية على حيي الشيخ مقصود والأشرفية، ليست وليدة اللحظة، ولا هي نتيجة خلاف على اتفاقية 10 أذار ولا 1 نيسان، بل هي نتيجة المؤامرات التي خططت في قطر وأنقرة، والمؤتمرات الأثنين والعشرين التي عقدت في سوتشي وأستانه وموسكو وطهران وأنقرة، ومؤتمرات جنيف، والتي من على أسسها تم هدم نزعة توحيد الوطن، ومحاربة الكورد، واحتلال عفرين والمدن الكوردية، فمحاربة الحراك الكوردي وشيطنة الكورد في الحيين وفي غربي كوردستان، جزء من مخطط شامل وهو القضاء على كل حراك يطالب بنظام ديمقراطي، وبشكل خاص الحراك الكوردي.
لم تكن الكارثة في السعي لإسقاط نظامٍ مستبد، فذلك كان فعلًا مشروعًا وضرورة أخلاقية، بل الكارثة الحقيقية وقعت حين سُرقت الثورة وقُتل مشروعها الديمقراطي، وحين جرى استبدال استبدادٍ عسكريٍّ عارٍ باستبدادٍ دينيٍّ وطائفيٍّ أشد فتكًا. لم يسقط الطغيان، بل غيّر جلده، وعادت المركزية نفسها تحكم باسم العقيدة لا باسم الدولة، وبمنطق الإلغاء لا بمنطق الشراكة.
ما يجري اليوم في الشيخ مقصود والأشرفية، وما سبقه في الساحل والسويداء ومناطق أخرى، ليس انحرافًا عابرًا، بل نتيجة حتمية لرفض الاعتراف بالتعدد، وللهروب من الحقيقة البسيطة، سوريا لا يمكن أن تُحكم من مركزٍ واحد ولا بعقلية الغالب والمغلوب، إن المخرج الوحيد من هذا المسار التدميري هو بناء نظام ديمقراطي لا مركزي، وفيدرالية عادلة تضمن حقوق المكونات، وتمنع عودة الاستبداد بأي قناع كان، فالدولة التي لا تعترف بتنوعها تُفكك نفسها بيدها.