د.محمود عباس

إنّ صراع الشعب الكوردي، بمسلميه وإيزيدييه ومسيحيه، لا ينفصل في جوهره عن صراع سائر المكوّنات السورية من علويين ودروز ومسيحيين، مع القوى التي احتكرت مقاليد السلطة في سوريا اليوم، لأن جوهر هذا الصراع ليس دينيًا أو طائفيًا، بل صراع وجود وحرية ثقافية إلى جانب الهوية القومية في مواجهة منظومات هيمنة مغلقة. فالحكومة السورية الانتقالية، كما تتبدّى في بنيتها وخطابها، ليست سلطة سياسية إدارية قابلة للإصلاح والتداول، بل سلطة إيديولوجية ثقافية تُعيد إنتاج ذاتها من منطلقات إقصائية، وتُلقي بثقلها على كل تراكمات الخلافات السابقة، وتستثمر فيها بدل تفكيكها.
في الواقع، يسود خوف مشروع من انزلاق سوريا سقوطًا مرعبًا إلى مستنقع التكفير، ومن عودة التاريخ بأقسى صوره، حيث تُستعاد عصور الظلمات تحت مسميات جديدة، ويُفرض الإسلام السياسي القاتم بوصفه قدرًا لا بديل عنه. هذا الخطر لا يتهدد مكوّنًا بعينه، بل يطال البنية الاجتماعية والثقافية السورية برمّتها، ويهدد بتدمير مفهوم الدولة لصالح سلطة العقيدة المؤدلجة.
والمؤسف، بل والخطير، أن ينقل بعض الإخوة الكورد خلافاتهم الداخلية، على عمقها السياسي وربما الإيديولوجي، من فضائها الطبيعي، إلى ساحة الصراع الوجودي الكارثي بين الشعب الكوردي والمنظمات التكفيرية. فالمساواة بين صراع حزبي داخلي، مهما بلغ حدّته، وبين قبول أو تبرير سلطة دينية متطرفة، تمثل انزلاقًا فكريًا بالغ الخطورة.
إن القبول بمثل هذه السلطة لا يعني انتصار طرف سياسي على آخر، بل يفضي حتمًا إلى دمار ثقافي واجتماعي شامل، يُفقد المجتمع الكوردي، ومعه سائر المكوّنات السورية، جوهر تنوعه وحقه في الحياة الحرة. غير أن هذا المصير الكارثي يُتناسَى، للأسف، تحت ضغط الصراع الحزبي الضيق داخل الساحة الكوردستانية، وكأن الخلاف السياسي يبرر المقامرة بالوجود ذاته.