د.خيرالدين حسن

من الخطأ، بل من التضليل السياسي، تصوير ما جرى ويجري على أنه انتفاضة عشائر عربية ضد قسد لأنها “كردية”.
هذا التفسير لا يفسّر شيئًا، بقدر ما يهرب من الحقيقة.
قسد لم تُقدِّم نفسها يومًا كمشروع قومي كردي، بل كقوة “أمّة ديمقراطية”، عابرة للهويات، وحرصت طيلة سنوات على نزع الصبغة القومية عن خطابها وبنيتها، بل ونجحت فعليًا في إشراك آلاف العرب في صفوفها، وفي مفاصل إدارتها المدنية والعسكرية.
فكيف يُعقل أن يثور هؤلاء فجأة ضد “كردية” قسد، وهم أصلاً أُقنعوا – سياسيًا وعمليًا – بأنها ليست كذلك؟

ولو كان الرفض نابعًا من عداء قومي للكرد، فليُجبنا أصحاب هذا الطرح عن سؤال بسيط:
لماذا يفضّل عشرات آلاف العرب اليوم العيش في هولير ومدن إقليم كردستان، ويعتبرونها أكثر أمانًا واستقرارًا وكرامة من بغداد؟
هل المشكلة إذن في الهوية الكردية، أم في نمط الحكم؟

الحقيقة التي يحاول البعض تجاهلها أن ما يحدث هو رفض لطريقة الإدارة، لا للانتماء القومي.
رفض لسلطة تُدار من الأعلى، لشراكة شكلية لا حقيقية، لقرارات تُتخذ باسم الناس لا معهم، ولمعادلة تُحمِّل المجتمع أعباء السلطة دون أن تمنحه حق القرار.

حين يشعر أي مجتمع – عربيًا كان أم كرديًا – أن السلطة لا تمثّله، وأن العدالة انتقائية، وأن الموارد تُدار بلا شفافية، فإن الانفجار يصبح مسألة وقت، لا مسألة هوية.

الأسوأ من كل ذلك، هو استخدام “القومية” شماعة جاهزة لتبرير الفشل، وتحويل كل نقد إلى مؤامرة، وكل احتجاج إلى عداء إثني.
هذا الخطاب لا يحمي قسد، بل يعمّق عزلتها، ولا يخدم الكرد، بل يضرّهم، لأنه يضعهم في موقع الاتهام بدل موقع الشراكة.

المشكلة ليست كردية قسد، ولا عروبة العشائر.
المشكلة هي سؤال الحكم:
من يقرّر؟ كيف يُدار القرار؟ ولصالح من تُرسم السياسات؟

من لا يملك الجرأة على مواجهة هذه الأسئلة، سيبقى أسير الشعارات… حتى ينهار كل ما يحاول حمايته بها.