د.خيرالدين حسن

فنّ تحقيق المكاسب السياسية لا يقلّ قيمة عن القتال، بل في لحظات الانهيار الكبرى يصبح أكثر شجاعةً منه.
الحوار، التفاوض، القراءة الواقعية لسياسات الدول العظمى، واستغلال الفرص المتاحة، ليست ترفًا فكريًا ولا تراجعًا عن الحقوق، بل أدوات عقلانية لحماية ما تبقّى من شعب، ومن جغرافيا، ومن مستقبل.

لقد علّمتنا التجربة المريرة أن القتال وحده لا يصنع مشروعًا سياسيًا، وأن الدم إذا سُفك بلا أفق واضح، يتحوّل من تضحية إلى خسارة مضاعفة. حماية المدنيين، تجنيبهم ويلات النزوح والتشرّد، والحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة، هي مسؤولية وطنية لا تقلّ قداسة عن أي شعار كبير.

ما يمكن أن نكسبه عبر التفاوض مع الحكومة السورية، مهما كان صعبًا ومعقّدًا، سيكون – واقعيًا – أكثر بكثير مما قد ننتزعه بالحرب في ميزان القوى الحالي.
وما قد نخسره على طاولة الحوار سيكون أقل بكثير مما سنخسره في ساحات القتال: دماء، مدن، أجيال كاملة.

نحن لا ندعو إلى الاستسلام، بل إلى تجنيب شعبنا حربًا بلا رابح.
لا رابح في الحرب.
الجميع خاسرون… لكن الخاسر الأكبر دائمًا هو الناس العاديون.

من حقّنا:
• حقن الدماء،
• حماية البيوت والأرزاق،
• ضمان عودة آمنة وكريمة لكل المهجّرين،
• وتطبيق ما تم الاتفاق عليه بدل القفز نحو المجهول.

لذلك، من واجبنا اليوم قطع الطريق أمام من يطبّلون للحرب من خلف الشاشات، بينما يدفع ثمنها الفقراء، والأمهات، والأطفال.

نعم، عشنا مئة عام في أوضاع قاسية وظروف ظالمة.
وإن اضطررنا، يمكننا أن نصبر مئة سنة أخرى.
لكن ما لا نريده، وما لن نقبله، هو أن نُدفع إلى حروب جديدة بلا أفق، وبلا ضمانات، وبلا عقل.

الحكمة اليوم ليست في رفع الصوت…
بل في إنقاذ ما يمكن إنقاذه.