وليد طاهر
كنت دائمًا أعتقد أن الهوية هي ما يعطينا معنى لحياتنا، لكنني اليوم أدركت أنها ليست مجرد مسألة عِرق أو نسب. “كردي أنا بهويتي وعاطفي”، هكذا كنت أقول دائمًا، محاولًا أن أشرح للجميع من أكون. لكن لم أكن أعلم أن هذه الهوية ستصبح يومًا ما مصدرًا لصراع داخلي بين القيم التي أؤمن بها والعالم الذي أعيش فيه. إن الهوية التي كنت أظن أنها ثابتة، تحولت إلى اختيار، اختيار يتشكل من كل لحظة، وكل تجربة، وكل تفكير عميق عن معنى الحياة.
لطالما حلمت بالسلام. كنت أرى فيه شيئًا أكبر من مجرد غياب الحروب أو العنف، كان بالنسبة لي معيارًا لقياس كل شيء. “أعشق السلام”، هذا كان شعاري، لكن السلام ليس مجرد كلمة جميلة تُقال، بل هو مبدأ يجب أن يُعاش. لا مكان فيه للغدر أو الخيانة. كانت تلك الحقيقة واضحة أمامي، لكن لم أكن أعلم كم هو صعب أن تجد السلام في عالم مليء بالعنف والصراعات.
في لحظة من اللحظات، شعرت أنني مضطرٌ للابتعاد. “خيانتكم وغدركم أجبرني على التخلي عن معاشرتكم”، كتبتها في لحظة يأس، وفي نفس الوقت، لحظة فوز داخلي. كنت أعرف أن الابتعاد عنكم ليس هروبًا، بل اختيارًا حرًا. كنت بحاجة إلى الابتعاد عن أولئك الذين اعتادوا على تبرير الشرور تحت مسميات مختلفة. كنت بحاجة إلى أن أعيش وفقًا لمبادئي، بعيدًا عن جماعة لا تقدر معنى الأمانة ولا تحترم السلام.
ولم يكن القرار سهلاً. ربما لم يتفهمه الجميع، وربما كان البعض يظنني ضعيفًا. لكنني أدركت أن عدم المسامحة ليس ضعفًا، بل هو دفاع عن ما أؤمن به. “لن أسامحكم” كان قراري. ليس لأنني لا أستطيع، بل لأنني لا أريد أن أكون جزءًا من دائرة لا نهاية لها من الخيانة. كيف يمكن للإنسان أن يسامح من لا يعترف بخطأه؟ كيف يمكنني أن أعيش معكم في عالمكم بينما أنتم تقنعون أنفسكم بأن ما تفعلونه هو الصواب؟
“لا ديني يشبه دينكم ولا إلهي يشبه إلهكم”. كان هذا الجواب على كل من حاولوا أن يجرّوني إلى أفكارهم الملوثة. ليس لدي إله يعزز الخيانة أو الإرهاب، ولا دين يُعلّم القتل باسم العدالة. ديننا، إن كان له معنى، هو دين الأخلاق: الأخلاق التي تُعلّمنا المحبة، والسلام، والعدالة. لا يمكنني أن أكون جزءًا من جماعة ترى في الكذب والسرقة أدوات للنجاح، ولا يمكنني أن أعيش في عالم يسعى لإدخال الإنسان في دوامة من الصراع لا نهاية لها.
لقد قررت أن أكون مع نفسي. أن أعيش بمفردي إذا لزم الأمر، طالما أن هذا يعني أنني سأظل متمسكًا بالقيم التي أؤمن بها. سأعيش بعيدا عن أي شيء يلوث روحي، بعيدًا عن أي جماعة تظن أن العنف هو الحل. إذا كانت حياتي ستسير على هذا النحو، فإنني سأمضي قدمًا في هذا الطريق، لأنني أخيرًا أعي أن القيم لا تُباع ولا تُشترى، بل هي أمانة يجب أن تُحفظ.
لن أسمح لكم بأن تعلّموني أن الخيانة أمر مقبول. لن أسامح، لأنني أؤمن أن العدالة هي التي يجب أن تسود. يجب أن يكون هناك فارق بين من يسعى للسلام ومن يسعى للحرب. بين من يبني ومن يهدم.
لقد اخترت طريقي، وطريقي هو العيش وفقًا لما أؤمن به، مهما كانت التحديات. سأظل أبحث عن السلام، سأظل أتمسك بالقيم، ولن أسمح لكم أو لغيركم بأن يجعلوني أُقدِّر شيئًا أقل من ذلك.
