د.محمود عباس


ما يُروَّج اليوم على وسائل التواصل الاجتماعي عن دعواتٍ موجّهة لقيادة (المجلس الوطني الكوردي) لفتح حوارات مع حكومة الجولاني ليس تفصيلاً عابرًا، ولا خبرًا بريئًا يمكن تجاهله أو التعامل معه ببرود. نحن أمام لحظة سياسية حساسة، يُعاد فيها تدوير مخطط قديم بصيغة جديدة، هدفه الأساسي شقّ الصف الكوردي، وكسر وحدةٍ نادرة تشكّلت في غربي كوردستان، وظهرت، ربما للمرة الثانية أو الثالثة في تاريخ أمتنا، ككتلة شعبية واحدة في مواجهة خطر وجودي.
من هنا، يصبح من حق الشارع الكوردي، بل من واجب القوى السياسية الكوردية، أن تطالب قيادة المجلس الوطني الكوردي بتوضيحٍ صريح: هل وُجِّهت بالفعل دعوة لبدء حوار مع حكومة الجولاني؟ وإن كانت قد وُجِّهت، فما هي خلفياتها، ومن يقف وراءها، ولماذا جرى تجاوز الهيئة الكوردية المنبثقة عن مؤتمر قامشلو؟ أما إن لم تكن الدعوة صحيحة، فالصمت هنا خطيئة سياسية، لأنه يترك المجال مفتوحًا أمام الإشاعة لتتحول إلى أداة تفكيك.
إن أي دعوة جزئية أو انتقائية، إن ثبتت، لا يمكن قراءتها إلا بوصفها جزءًا من مخطط مدروس لإحداث شرخ داخل البنية السياسية الكوردية، يبدأ بضرب الهيئة المنبثقة عن مؤتمر قامشلو، ويتوسع ليصيب الشارع الكوردي نفسه. وهذا ليس افتراضًا نظريًا، بل امتداد مباشر لخطاب رُوّج له طوال العام الماضي من قبل حكومة أحمد الشرع، والإعلام التكفيري، وبإدارة تركية واضحة، يقوم على معادلة خبيثة: “لسنا ضد الكورد، نحن فقط ضد قسد”.
تحت هذا الشعار، جرى تشويه قوات قسد، ووصمها بالميليشيا والإرهاب، وشيطنتها سياسيًا وإعلاميًا، وصولًا إلى تكفير شريحة واسعة من الشعب الكوردي نفسه. لم يكن الهدف يومًا قسد كقوة عسكرية فحسب، بل ضرب الرابط العضوي بينها وبين شعبها، وطعن العلاقة المصيرية بينها وبين الأطراف الأخرى من الحراك الكوردي الذي ارتقى إلى مستوى تشكيل هيئة كوردية مشتركة، تمهيدًا لعزلها سياسيًا، وإخراجها من أي معادلة تفاوضية مستقبلية.
واليوم، تحاول حكومة الجولاني استكمال هذا المسار عبر الالتفاف على الاتفاقيات التي أُبرمت مع قسد والإدارة الذاتية، والدفع برواية مفادها أن قسد لا تمثل الكورد، وأن قراراتها تأتي من خارج سوريا، وأن “الحوار الحقيقي” يجب أن يكون مع “ممثلي الشعب الكوردي”. إنها محاولة فاضحة لإعادة تعريف التمثيل الكوردي بما يخدم هدفًا واحدًا، تفريغ القضية الكوردية من مضمونها القومي، وتحويل الكورد إلى مجرد “مواطنين سوريين” بلا هوية سياسية ولا حقوق جماعية.
هذه ليست مؤامرة جديدة، بل وصفة قديمة يُعاد تسويقها اليوم بثقة زائفة، على أمل أن تكون وحدة الشارع الكوردي ظرفية وعابرة. لكن الرهان هنا خاطئ. فالشعب الكوردي بات يدرك أن استهداف قسد والإدارة الذاتية ليس استهدافًا تنظيميًا، بل استهدافٌ مباشر لجغرافيته، وتاريخه، وحقه في الوجود كشعب له قضية قومية.

من هذا المنطلق، فإن أي حوار جدي لا يمكن أن يتم خارج إطار الهيئة الكوردية المنبثقة عن مؤتمر قامشلو، ولا يمكن أن يلتف على تمثيلها، أو يُجزّئ الموقف الكوردي. وأي دعوة للحوار، إن كانت صادقة، يجب أن تُبنى على لجان مختصة، وعلى جدول أعمال واضح، يتقدم فيه مطلب الحقوق القومية للشعب الكوردي، بوصفه ثاني مكوّن رئيسي في سوريا، وفي مقدمتها اللامركزية والفيدرالية.
لن يكون الحوار، إن حصل، من منطق المنتصر والمهزوم في حربٍ عابرة، بل من منطق أن سوريا وطنٌ للجميع، وأن نضال الشعب الكوردي من أجل حقوقه لم يبدأ بسقوط البعث، ولن ينتهي عند حكومة انتقالية محمولة على أوهام القوة. هذا نضال يمتد قرابة قرن من الزمن، ولا يمكن اختصاره أو شطبه أو القفز فوقه باتفاقات ظرفية أو حوارات مفخخة.
الرسالة واضحة، وحدة الموقف الكوردي اليوم ليست خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة وجودية. وأي محاولة للالتفاف عليها، مهما كان غلافها السياسي، ليست إلا خطوة إضافية في مشروع إلغاءٍ قديم، لن يمر.

د. محمود عباس