أحمد إسماعيل إسماعيل
قرأت كتبًا كثيرة تدور حول عوالم كابوسية، وشاهدت أفلامًا مرعبة، وسمعت حكايات خيالية تقشعر لها الأبدان.
وفي نهاية كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، كان هناك هدف ما: تربوي، أخلاقي، فكري، أو فني.
أمّا ما نشاهده اليوم في سوريا، وما نسمع عنه، فيفوق في رعبه ولا معقوليته كل ما قرأناه وسمعناه وشاهدناه.
جهاديون كانوا، حتى الأمس القريب، على قوائم الإرهاب، ينقلبون فجأة—برشّة عطر أمريكية، وبدلة رسمية، وساعات فاخرة—إلى حكّام لبلد كسوريا،
بلد ضارب في عمق التاريخ والحضارة.
يندفعون بوحشية نحو الداخل، ليفترسوا أبناء البلد ومكوّناته، بحجة الحفاظ على تراب الوطن ووحدته!!
دون أن يلتفتوا إلى “عدوّهم التاريخي” منذ قرون،
الذي يستولي على جبال هذا اليلد وسهوله وهضابه، ويتوغّل عميقًا في أراضيه.
ومثقفون وكتّاب وساسة، من بني مذهب هذه السلطة وجلدتها، كانوا حتى قبل أن تقبض هذه السلطة على الصولجان يناصبونها العداء، بصفتها جماعة إرهابية.
ليسيروا اليوم في ركبها، ممتشقين أقلامهم كسيوف مسلولة ومسمومة، موجّهة ضد من يحاربها.
وعشائر تأتمر بأمرها، لتغزو بإشارة من إصبع زعيمها،
لينقلب مفهوم العشيرة فيهذه البرهة، من الكرم والشهامة والبساطة…
إلى معنى آخر، لا علاقة له إلا بالقتل والغزو والنهب.
وما يزيد المشهد جنونًا، أن تتقلّص قوات قسد، وتعود إلى خميرتها الأولى: “قوات حماية الشعب”.
ولكن… أيّ شعب؟!
لتتراجع إلى حاضنتها الأساس، وأمّها التي أساءت إليها أكثر مما أفادتها،
دون أن تكشف لهذه الحاضنة حقيقة ماتريد وتصبو إليه، ولا حقيقة ما يجري، ولا ما ينبغي فعله في هذه الظروف العصيبة،
سوى حشد الناس في وجه تقدّم هذه الوحوش.
وأنباء وصور عن سجّادة أهداها عبد الله أوجلان، في هذا التوقيت تحديدًا، إلى بهجلي العنصري، بصفته “رسول السلام”!
وصمت أمريكا والغرب، الذين طالما ردّدوا، بنفاق، أن قسد، والكرد تحديدًا، قدّموا خمسة عشر ألف شهيد على مذبح “حريتنا” حرية العالم،
بصفتهم القلعة التي صدّت هجوم أعتى المجرمين.
ليُعاد تدوير هؤلاء المجرمين، بعد سقوط الأسد، بوصفهم حكّام سوريا الجدد،
وليُدفع بهم إلى حروب طائفية سنّية–شيعية، ستبدأ على حدود العراق،
وليُمنح “الطابو الأخضر” للأرض السورية للبلد الأزرق،
فتتصبّغ الأراضي المصادرة بلون آخر… هو التركواز.
وأصوات الكرد في أوروبا تشقّ عنان السماء، في مسعى يائس لمنع الحوت من ابتلاع القمر، في سماء بلادٍ لم تعد بلادًا.
ورغم إصرار السماء على تزيين الأرض ببياض الثلج،
للبدء بحياة أنقى، يبقى السؤال:
هل هذا الذي نحن فيه.. حلمٌ كابوسي؟
أم أنّنا داخل أحد أفلام ديفيد لينش الكابوسية؟
أم مجرّد شخصيات في عالم روايات فرانز كافكا؟
ماذا؟
وإلى متى؟
