خالد حسو

يُفترض بالإعلام، في المجتمعات التي تنشد الديمقراطية والعدالة، أن يكون مساحة للنقاش العقلاني، ومنبرًا لتعدد الآراء، وأداةً لتنوير الرأي العام لا لتوجيهه أو تضليله. غير أن تجربة برنامج «الاتجاه المعاكس» على قناة الجزيرة، الذي يقدمه فيصل القاسم، تمثل نموذجًا واضحًا لانزلاق الإعلام من دوره المهني إلى ممارسة التحريض السياسي، وتأجيج الانقسامات، وإنتاج خطاب الكراهية تحت غطاء “الجدل” و”حرية التعبير”.
فالبرنامج لم يعد فضاءً متوازنًا لتبادل الأفكار، بل تحول إلى منصة لتأطير النقاش العام ضمن ثنائيات حادة ومفتعلة، تقوم على الاستقطاب لا الفهم، وعلى الصدام لا الحوار. هذا النمط لا يخدم الحقيقة، بل يختزل القضايا المعقدة في مواجهات سطحية، تُدار وفق منطق الإثارة والتشويه بدل التحليل والمعرفة.
في هذا السياق، يتجاوز فيصل القاسم دور الإعلامي الوسيط إلى دور الفاعل السياسي المباشر. إذ يتدخل بشكل واضح في توجيه مسار النقاش، مستخدمًا الاستفزاز المتعمد، واللغة التصادمية، وانتقاء الضيوف وفق منطق يخدم نتيجة مسبقة. هذا السلوك يقوّض أسس المهنية الإعلامية، ويفرغ فكرة “الرأي والرأي الآخر” من مضمونها، ليحولها إلى أداة شكلية لتبرير خطاب منحاز وموجَّه.
الأخطر من ذلك أن «الاتجاه المعاكس» يساهم بصورة ممنهجة في زرع الفتن وبث خطاب الكراهية والتحريض والتطرف، عبر شرعنة لغة الإقصاء والتهميش، وتقديمها كجزء طبيعي من النقاش العام. فالبرنامج لا يكتفي بعرض الآراء، بل يعيد إنتاج خطاب العداء والحقد، ويغذي الانقسامات المجتمعية، ويبرر العنف الرمزي والسياسي، بما يتناقض جذريًا مع قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان.
ويتجلى هذا الدور التحريضي بوضوح في تعامل البرنامج مع القضية الكوردية، حيث تُقدَّم هذه القضية في كثير من الأحيان من خلال سرديات مشوّهة أو انتقائية، تُنكر التاريخ، وتهمّش الشخصيات الكوردية، وتفرغ مطالب الشعب الكوردي في تقرير مصيره من بعدها الإنساني والقانوني. وبدل الاعتراف بحقوق شعب عانى لعقود من القمع والإنكار، يُعاد تصوير هذه الحقوق كتهديد، أو كمؤامرة، أو كعامل عدم استقرار، في خطاب يتقاطع مع أكثر أشكال الشوفينية والعنصرية السياسية.
هذا النمط من التناول الإعلامي لا يمكن فصله عن الخط التحريري العام لقناة الجزيرة، التي تُظهر في حالات كثيرة انحيازًا واضحًا لصالح قوى الاستبداد، والإسلام السياسي، والجماعات المتطرفة، سواء عبر التبرير المباشر أو عبر التطبيع غير النقدي مع خطابها. وفي المقابل، يجري تشويه الخطاب الديمقراطي، وإضعاف الأصوات الإنسانية، وتقديمها كأطراف إشكالية أو غير واقعية.
إن التناقض بين شعار القناة «الرأي والرأي الآخر» وممارستها الفعلية لم يعد مجرد خلل مهني، بل أصبح أزمة أخلاقية وسياسية في بنية الإعلام العربي. فالتعددية تتحول إلى ديكور، والاختلاف يُسمح به فقط ضمن حدود لا تمس السردية المهيمنة، بينما يُقصى كل خطاب يطالب بالعدالة، أو يعري الاستبداد، أو يدافع عن حقوق الشعوب.
إن «الاتجاه المعاكس» لا يمثل إعلامًا نقديًا مستقلًا، بل نموذجًا لـ الإعلام التعبوي الذي يستثمر في الصراع، ويغذي الكراهية، ويعيد إنتاج العنف الرمزي، ويحوّل الشاشة إلى أداة للهيمنة على الوعي بدل تحريره. وهو بذلك يساهم في إضعاف الثقافة الديمقراطية، وتكريس الانقسام، وإدامة أنماط التفكير الإقصائي في المنطقة.
إن تفكيك هذا النموذج الإعلامي وكشف آلياته التحريضية ليس موقفًا شخصيًا أو رد فعل انفعالي، بل ضرورة فكرية وأخلاقية للدفاع عن دور الإعلام كسلطة رقابية مستقلة، تحترم الحقيقة، وتصون الكرامة الإنسانية، وتدافع عن حقوق الشعوب، وفي مقدمتها حق الشعب الكوردي في الوجود، والتاريخ، وتقرير المصير، بعيدًا عن التحريض، والتضليل، وصناعة الفتن.