د.خيرالدين حسن
ليست كلّ اللقاءات السياسية متساوية في معناها، ولا تُقاس أهميتها بطول البيانات أو عدد الصور، بل بقدرتها على تغيير الوقائع لا إعادة تدويرها. من هذا المنطلق، يكتسب لقاء وفد المجلس الوطني الكردي في سوريا (ENKS) برئاسة محمد إسماعيل مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أهمية خاصة، ليس لأنه حسم شيئًا، بل لأنه أعاد طرح سؤال مؤجَّل: أين تقف القضية الكردية اليوم داخل المسار السوري العام؟
المجلس الكردي وضع على طاولة اللقاء مطلبًا واضحًا طال انتظاره: الاعتراف الدستوري بالشعب الكردي كشريكٍ أصيل في البلاد، وضمان حقوقه السياسية والقومية والثقافية ضمن سوريا موحّدة، تعددية، وديمقراطية. في المقابل، جاء خطاب وزارة الخارجية السورية أكثر تحفظًا، متحدثًا عن وحدة الأراضي السورية وحقوق المواطنين الكرد على أساس المواطنة المتساوية، مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية والاجتماعية.
هذا الفارق في اللغة ليس تفصيلاً عابرًا. فالمواطنة المتساوية، كما طُرحت تاريخيًا، لم تكن يومًا ضمانة كافية للاعتراف القومي، والحديث عن الخصوصية الثقافية لا يرقى تلقائيًا إلى حقوق سياسية دستورية. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن مجرد تداول هذه المفردات في دمشق يشكّل تحولًا نسبيًا مقارنة بخطاب الإنكار الكامل الذي ساد لعقود.
لكن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في اللغة، بل في الواقع السياسي الذي يُعاد تشكيله على الأرض دون وجود مرجعية كردية موحّدة. فالاتفاق المفصلي بين قوات سوريا الديمقراطية ودمشق جرى بشكل منفرد، دون المجلس الكردي، ودون أي مشاركة لقوى أو شخصيات كردية سياسية خارج إطار قسد. وبعد أن تمّ تقرير معظم الملفات الكبرى، يأتي لقاء المجلس مع الخارجية السورية، ما يضعه موضوعيًا في موقع المتأخر لا الشريك.
هنا تبرز مفارقة يصعب تجاهلها:
قسد فاوضت ووقّعت وحدها، والمجلس التقى وحده، بينما الفاعل الكردي الجامع غائب. لا كونفرانس 26 نيسان أنتج مرجعية سياسية حقيقية، ولا الاتفاق مع دمشق فتح الباب لشراكة كردية شاملة، في حين بقيت الأحزاب والقوى الكردية خارج هذين الإطارين في موقع المتفرج، تنتظر دورًا قد لا يأتي.
وفي خضم هذا المشهد، يفرض نفسه سؤال أكثر عمقًا وخطورة:
هل ستصغي دمشق، والمجلس الوطني الكردي، وقوات سوريا الديمقراطية، وبقية الأطراف الكردية، إلى صوت الشارع الكردي نفسه؟
هذا الشارع الذي خرج بعشرات الآلاف في مدن كردستان، وفي العديد من الدول الأوروبية، لم يخرج دفاعًا عن حزب، ولا عن جسم عسكري أو سياسي بعينه، بل خرج رفضًا للتهميش، ورفضًا لاتخاذ قرارات مصيرية باسمه دون تمثيل حقيقي. تلك المظاهرات لم تكن حدثًا عابرًا ولا استعراضًا إعلاميًا، بل مؤشرًا واضحًا على اتساع الفجوة بين القرار السياسي الكردي والقاعدة الشعبية.
إن تجاهل هذا الصوت لم يعد مجرد خلل تمثيلي، بل تحوّل إلى خطر سياسي فعلي. فشرعية أي تفاوض، وأي اتفاق، وأي حديث عن “اعتراف دستوري”، لا تُقاس بما يُدوَّن في محاضر الاجتماعات، بل بمدى انعكاسه على تطلعات الناس الذين دفعوا الكلفة الأكبر خلال السنوات الماضية. وإذا لم يتحوّل الشارع إلى عنصر فاعل في صناعة القرار، فإن ما يجري لن يكون سوى إعادة إنتاج لأزمة قديمة بأدوات جديدة.
في هذا السياق، تتآكل بصمت الشعارات الكبرى التي رُفعت سابقًا: الفيدرالية، اللامركزية، الشراكة الحقيقية. لا أحد يدافع عنها اليوم بوضوح، ولا أحد يملك آلية واقعية لفرضها. المناصب استُحوذ عليها، والقرارات اتُّخذت، والتمثيل الكردي اختُزل في طرف واحد، بينما تحوّلت بقية القوى إلى هامش سياسي.
لذلك، فإن التعويل على اللقاءات وحدها، دون أدوات ضغط ووحدة موقف، يبقى رهانًا ضعيفًا. المرحلة الحالية مرحلة انتقالية وغير مستقرة، وهذه الحكومة – مهما حسّنت خطابها – لم تقدّم حتى الآن نموذجًا جادًا لمشاركة حقيقية، لا للكرد ولا لغيرهم. بعد شهر واحد فقط، قد لا يكون المشهد كما هو اليوم. الترتيبات تتسارع، والفرص تضيق. والسؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح ودون مواربة:
ماذا سيضيف المجلس الوطني الكردي فعليًا بعد أن تقرّر مصير المنطقة سياسيًا وأمنيًا؟
وإن لم يملك ما يضيفه، فهل لديه الشجاعة ليصارح جمهوره بذلك؟
السياسة لا تنتظر المترددين، والواقع لا يرحم. إما شراكة حقيقية تُبنى بمرجعية واضحة، أو استمرار في دور المتفرج… لكن هذه المرة بلا أوهام.
