وليد طاهر


مدينة كوباني، هي واحدة من أروع رموز الصمود والمقاومة في العصر الحديث. تاريخها وحاضرها يجسدون معركة مستمرة من أجل البقاء في وجه الأعداء الذين يهددون هويتها ووجودها. ولكن على الرغم من هذه الرمزية العميقة لهذه المدينة، يبدو أن هناك تراجعًا دوليًا في الاهتمام بمصير كوباني، وغيابًا للمؤازرة الحقيقية في معركتها.

صمت العالم

لطالما كانت كوباني مثالًا على الصمود والتحدي، فقد أصبحت المدينة رمزًا للمقاومة ضد تنظيم “داعش” الإرهابي في 2014، عندما تحدت قوات حماية الشعب الكردية، بمساندة من التحالف الدولي، التنظيم الإرهابي الذي حاول السيطرة عليها. لكن بعد مرور أكثر من عقد على تلك المعركة البطولية، لا يزال سكان المدينة يعانون من تبعات الحرب وأثارها المدمرة. وبينما أظهر العالم في بداية الأزمة التضامن والمساندة، فإن الصمت الدولي اليوم أصبح أكثر وضوحًا في مواجهة التحديات التي تواجهها المدينة.

تجسد هذه الحالة صورة مؤلمة للواقع الذي تعيشه كوباني الآن، في ظل غياب الدعم الكافي من القوى الدولية التي كانت قد وعدت بمساعدة المدينة في إعادة إعمارها واستقرارها. ومع تزايد الحصار الاقتصادي والسياسي عليها، يبدو أن الوضع أصبح أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى. هذا الصمت يخلف تساؤلات عديدة حول الأسباب الحقيقية لهذا التخاذل. هل هو ناتج عن مصالح سياسية معقدة؟ أم هو نتيجة لتقاعس المجتمع الدولي عن تحمل مسؤولياته تجاه شعوب المنطقة؟ والسؤال موجهه إلى قيادات القسد الى متى ستبقى هذه المدينة محاصرة؟

التخلي عن المقاومة الكردية

لا يخفى على أحد أن الكرد قد دفعوا أثمانًا باهظة في معركة مكافحة الإرهاب، وخصوصًا في سوريا والعراق. ولكن مع مرور الوقت، بدأ المجتمع الدولي يتراجع عن دعمهم. على الرغم من التضحيات التي قدمتها قوات سوريا الديمقراطية وقوات حماية الشعب، يبدو أن مصير هذه المجموعات الكردية لم يعد ضمن أولويات القوى الكبرى. وتظل الأسئلة قائمة حول الأسباب التي تقف وراء هذا التخلي: هل يعود ذلك إلى توازنات القوى الإقليمية التي تتحكم في السياسات الدولية؟ أم أن هناك قوى خفية تقف وراء هذا الصمت المستمر؟

كوباني تحت الحصار

تعيش كوباني اليوم تحت حصار اقتصادي واجتماعي. فرغم الانتصار العسكري الذي حققته ضد “داعش”، لا تزال المدينة تواجه تحديات ضخمة في مجال إعادة البناء والتعافي من الحرب. السكان يعانون من نقص في الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء والماء والرعاية الصحية، فضلاً عن الأضرار المدمرة التي لحقت بالبنية التحتية. ومع استمرار الضغوط السياسية والعسكرية على المنطقة، فإن قدرة المدينة على التعافي تظل محدودة، ويزداد الوضع تعقيدًا مع غياب آفاق السلام المستدام.

النداء للضمير العالمي

في ظل كل هذه الظروف، يبقى التساؤل الأهم: هل يمكن للمجتمع الدولي أن يتخذ خطوات جدية لدعم كوباني وكرد سوريا بشكل عام؟ هل سنستمر في مشاهدة الصمت على ما يحدث، أم أن هناك بصيصًا من الأمل في أن يتحرك العالم من أجل تقديم المساعدة اللازمة؟

كوباني لا تحتاج فقط إلى الدعم العسكري، بل تحتاج إلى فك الحصار عن المدينة ، والمساعدة في توفير الخدمات الأساسية، . إن دعم كوباني هو دعم للمقاومة الكردية التي لم تتراجع يومًا أمام التحديات، وهو دعم لشعب يسعى إلى حياة كريمة في وطنه، بعيدًا عن الإرهاب والقمع.

في النهاية، إن صمت العالم تجاه كوباني ليس مجرد غفلة، بل هو تذكير حيوي بضرورة التفاعل الجاد مع قضايا الشعوب المستضعفة، وأن المقاومة والحرية لا يمكن أن تنتظر طويلًا عندما تكون المعركة من أجل البقاء قائمة.