د.خيرالدين حسن

في كل مرة يخرج فيها من ينكر تاريخ الشعب الكردي، ويزعم ببرود أن “الكرد بلا تاريخ”، تكفي نظرة واحدة إلى الكيوة لتسقط هذه الأكذوبة من أساسها.
الكيوة ليست مجرد حذاء تقليدي، بل أثر حيّ يمشي على الأرض، شاهد مادي على حضارةٍ ضاربة في عمق الجبال والزمن، سبقت دولًا وحدودًا وأيديولوجيات حديثة تحاول اليوم احتكار التاريخ.

الكيوة: أصلٌ أقدم من الادّعاء

الكيوة، أو كما تُعرف محليًا في مناطق هورامان، صُنعت يدويًا منذ آلاف السنين من القطن الطبيعي وجلود المواشي، لتلائم تضاريس زاغروس القاسية وحياة الجبل. الاكتشافات الأثرية في قرى هورامان، ومنها هاجيج، تشير إلى نماذج يعود تاريخها إلى ما يقارب 2500 قبل الميلاد.
هذا ليس “فولكلورًا” ولا حكاية شعبية، بل دليل مادي على مجتمعٍ مستقر، يملك معرفة بالصناعة، والبيئة، والحياة، في زمن لم تكن فيه أغلب دول المنطقة قد وُلدت حتى كفكرة.

بعض الروايات التاريخية تربط هذا النوع من الأحذية بالعصور الزرادشتية، بل وتذكر أشكالًا مشابهة ارتداها أتباع زرادشت. كما أن التشابه بين الكيوة الكردية وبعض الأنماط الإيرانية القديمة لا ينفي كرديتها، بل يؤكد عمق التداخل الحضاري في زاغروس، حيث كان الكرد جزءًا أصيلًا من هذا الفضاء منذ فجر التاريخ.

حين يقف التاريخ صامتًا… ويتكلم الحذاء

لنكن واضحين:
– الدولة التركية الحديثة عمرها قرن واحد فقط.
– العراق وسوريا بحدودهما الحالية نتاج القرن العشرين.
– حتى الإمبراطورية العثمانية، بكل سطوتها، لم تظهر إلا بعد آلاف السنين من وجود الكيوة.

فكيف لشعبٍ “بلا تاريخ”، حسب زعمهم، أن يملك أثرًا مادّيًا يسبق هذه الدول جميعًا؟
السؤال بحد ذاته يكشف حجم الزيف في خطاب الإنكار.

الصناعة… والهوية

صناعة الكيوة ليست تفصيلًا هامشيًا. زوج واحد يحتاج أيامًا من العمل اليدوي الدقيق. خفيفة، قابلة للتنفس، مناسبة للصيف والشتاء، ومصممة خصيصًا لحياة الجبال.
هي حذاء الحياة اليومية، لكنها أيضًا حذاء المناسبات الكبرى، من نوروز إلى الاحتفالات القومية، رمز هادئ لهوية لم تحتج يومًا إلى صراخ لتُثبت وجودها.

وليس من قبيل الصدفة أن تُدرج الكيوة ضمن قوائم التراث الثقافي غير المادي عالميًا، في اعتراف واضح بأن هذا الموروث ليس محليًا فقط، بل إنساني القيمة.

الخلاصة: التاريخ لا يُمحى

الكيوة لا تردّ على منكري التاريخ بالشعارات، بل بالوقائع.
لا ترفع صوتها، لكنها أقدم من ضجيجهم.
تمشي بهدوء فوق أرضٍ يعرفها أصحابها منذ آلاف السنين.

من ينكر تاريخ الكرد، فليبدأ أولًا بتفسير كيف سبقهم هذا الحذاء إلى الوجود.
أما نحن، فنكفي أنفسنا فخرًا بأن تاريخنا… لا يحتاج إلى إذن ليكون حقيقيًا.