جوان ديبو

قلما نجد شخصاً، ولا سيما ممن يسمون أنفسهم بالأكاديميين والإعلاميين والمثقفين، يغرد خارج السرب. الكل تقريباً يصيح ويهتف ويصدح داخل وضمن السرب أو بالأحرى القطيع. التغريد مع السرب أسهل بكثير من التغريد خارجه، فلا يتطلب سوى الإيمان بالمسلمات التي ينطلق منها دائما السرب او القطيع التائه المنقاد غالبا وفق أوهام توارثها عن الأجيال السابقة. أما التغريد خارج السرب عن قناعة وتبرير فله فاتورته الباهظة التي قد تنتهي بخسارة المغرد خارج السرب للسرب بأجمعه. المغرد مع وضمن ولصالح السرب سواء عن قناعة وتبرير أو بدون قناعة وتبرير، يربح السرب ولكنه يخسر نفسه. وأما المغرد خارج السرب عن قناعة وتسويغ، فإنه بالتأكيد يخسر السرب، لكنه يكسب نفسه. هذه الظاهرة الاجتماعية والنفسية والفكرية الموغلة في القدم أنتجت ظاهرة “ثقافة القطيع”. هذه الثقافة التي يذوب فيها الأفراد عندما يتبنون عقلية وسلوكيات الجماعة المتوارثة دون تفكير او تحليل او تقييم نقدي للسائد المتوارث. هذا الانجرار والذوبان الأعمى في بوتقة الجماعة مرده الخوف من تداعيات العزلة في حالة التغريد خارج السرب والرغبة القسرية الطوعية غير المفهومة في التوافق مع الأغلبية. الدوافع الأساسية وراء انصهار الأفراد ضمن القطيع الضائع المنساق وراء موروثات لم يقم باختيارها هي الخوف من إملاءات الجماعة والإحساس بفقدان الأمان في حال الخروج عن الجماعة، والشعور بالنقص أمام حجم والعظمة الوهمية للجماعة. كلنا أو معظمنا مع الأسف نمارس ونجسد ثقافة القطيع بشكل أو بآخر، وذلك عندما نستميت في الدفاع عن مسلمات ورثناها عن الأسلاف ولم نشارك البتة في صناعتها وبلورتها. حالياً، الإعلام، والسياسيين والزعماء والكتاب والمفكرين، جميعهم أو غالبيتهم يجسدون ويعمقون ويكرسون ثقافة وسلوكيات القطيع لدرجة مخيفة وعن سابق فكر وتصور إلى حد بات فيه القطيع الحيواني أجمل وأفضل من القطيع البشري.