Beshir Shekhee

عند قراءة التاريخ السياسي للكُرد بمنهج تاريخي نقدي، بعيدًا عن الإسقاطات القومية الحديثة أو السرديات الإمبراطورية التبريرية، تتكشف حقيقة بنيوية متكررة في المصادر التاريخية، مفادها أن الكُرد لم يخضعوا لحكم مركزي مباشر بعد سقوط امبراطوريتهم الساسانية،
بل اسسوا ممالك وحافظوا على ارضهم واتخذت علاقتهم بالإمبراطوريات الكبرى.
شكل تحالف سياسي وحكم ذاتي فعلي.

التاريخ لا يذكر ان الكُرد كانوا “شعبًا خاضعًا” بل شعبا اصحاب ممالك وامارات وجيوش مقاتلة.

الكُرد في العصر العباسي

سيادة مركزية وحكم محلي فعّال

رغم أن الخلافة العباسية شكّلت الإطار الأعلى للشرعية السياسية في المشرق الإسلامي، فإن سيطرتها الفعلية على المناطق الكُردية، ولا سيما الجبلية والحدودية، كانت ضعيفة ومجزأة. وقد أتاح هذا الواقع نشوء كيانات سياسية كُردية ذات شأن، امتلكت مقومات الدولة بالمعنى الوسيط للكلمة.
ومن أبرز هذه الكيانات:
الدولة الحسنوية
الدولة المروانية (الدوستكية)
الدولة الشدّادية
الدولة الروادية

وتُظهر المصادر التاريخية الكلاسيكية أن هذه الإمارات لم تكن مجرد ولايات تابعة، بل قوى إقليمية فاعلة. فقد وصف ابن الأثير هذه الدول في الكامل في التاريخ بعبارات صريحة تدل على مكانتها، متحدثًا عن:

«شوكة عظيمة، وكثرة جموع، ونفوذ أمراء، واستقلال في التدبير.»

كما يفرد ابن الأثير سردًا تفصيليًا لحروبهم، وتحالفاتهم، وتدخلهم في موازين القوى الإقليمية، وهو ما لا يفعله عادة عند الحديث عن ولايات خاضعة بلا قرار.
وقد امتلكت هذه الإمارات:
إدارات محلية مستقلة
جيوشًا نظامية وقبلية
موارد مالية ذاتية
ومظاهر سيادة، كضرب العملة وعقد التحالفات

وهي سمات تتجاوز مفهوم “الحكم بالنيابة”.

الكُرد والسلاجقة

اندماج سياسي دون إخضاع قومي

لم يكن التوسع السلجوقي قائمًا على الإلغاء الإثني أو الصهر القومي، بل على إدارة شبكية للسلطة. ضمن هذا الإطار، لم يُعامَل الكُرد بوصفهم جماعة خاضعة، بل كـ:
أمراء أقاليم
حلفاء عسكريين
قوى محلية لا يمكن تجاوزها

ويكفي أن نشير إلى أن الإمبراطورية الأيوبية الكُردية لم تنشأ في مواجهة السلاجقة، بل من داخل فضائهم السياسي والعسكري. فصلاح الدين الأيوبي لم يُسقط نظامًا سلجوقيًا، بل ورث نفوذه، وأعاد توظيفه، وهو ما يدل على استمرارية نُخب لا قطيعة احتلالية.

هذا النمط يعكس علاقة شراكة سياسية مرنة، لا علاقة إخضاع قومي.

العصر المملوكي
حكم غير مباشر مقابل الولاء
في العصر المملوكي، حافظت المناطق الكُردية في:
-آمد.
-الجزيرة الفراتية روجآفا..
-هكاري.
-روها
-حلب
-الشام

على بُناها القيادية الوراثية، وإدارتها المحلية، مقابل ولاء سياسي وعسكري عام للدولة المملوكية.

وتُظهر سجلات تلك المرحلة أن المماليك، كغيرهم من القوى المركزية، أدركوا محدودية قدرتهم على إخضاع الجبال الكُردية إخضاعًا دائمًا، فاختاروا سياسة التوازن والتحالف بدل الإدارة المباشرة.

العهد العثماني
تقنين الحكم الذاتي وشرعنته
يُعدّ العهد العثماني المثال الأوضح على الاعتراف الرسمي بالحكم الذاتي الكُردي. فبعد معركة جالديران (1514م)، عقدت الدولة العثمانية اتفاقيات مباشرة مع إمارات كُردية كبرى، منها:
بوتان
بهدينان
سوران
بابان
وقد نصّت الفرمانات والسجلات العثمانية على:
وراثية الحكم المحلي
عدم تعيين ولاة عثمانيين
استقلال مالي وإداري نسبي
التزام عسكري مقابل الاعتراف بالسلطة

وهو نموذج حكم غير مسبوق في كثير من الأقاليم العثمانية، ويعكس اعترافًا صريحًا بخصوصية البنية السياسية الكُردية.

لماذا فشلت الإمبراطوريات في إخضاع الكُرد إخضاعًا كاملًا؟
تتفق المصادر الإسلامية والبيزنطية والأرمنية على مجموعة عوامل بنيوية، منها:

  1. الطبيعة الجبلية شديدة الوعورة
  2. البنية القبلية العسكرية
  3. الخبرة القتالية المتراكمة
  4. غياب المراكز الحضرية السهلة السيطرة
  5. رفض الدمج الإداري القسري
لهذه الأسباب، فضّلت الإمبراطوريات المتعاقبة سياسة الاحتواء والتحالف مع الكرد.

الصورة المرفقة هي للقائد الكردي بابك خرمي الذي استنزف الدولة العباسية 23 عامًا وأسقط منها نحو 60 ألف قتيل.