د. محمود عباس
اتسمت مقاربة دونالد ترامب في السياسة الخارجية بنزعة واضحة إلى الشخصنة والصفقات السريعة، أكثر مما اتسمت ببناء استراتيجيات طويلة الأمد تقوم على المؤسسات والتوازنات الدقيقة. فهو يميل إلى اختزال الملفات المعقدة في معادلات مباشرة، من يحقق الاستقرار الآني؟ من يضبط الأرض؟ من يخدم أولويات الأمن الإقليمي، وفي مقدمتها احتواء إيران وضمان مصالح الحلفاء، سواء كانوا في الخليج أو تركيا أو ضمن الإطار الإسرائيلي؟ هذه البراغماتية لا تعني خضوعًا مطلقًا لما يُسمّى بالدولة العميقة الكلاسيكية أو العصرية، لكنها تعكس تفاعلًا دائمًا مع شبكة مصالح وضغوط ولوبيات داخلية وخارجية تشكّل في مجموعها بيئة القرار الأمريكي.
في هذا السياق، فإن أي دعم يُمنح لشخصية بعينها في دمشق، كالجولاني، لا يُفهم بوصفه تبنّيًا أيديولوجيًا أو طائفيًا بقدر ما هو خيار وظيفي مؤقت يخدم حسابات الاستقرار وضبط التوازنات. غير أن الإشكالية تكمن في أن هذا المنطق قد يختزل مشروع الدولة السورية في معادلة أمنية ظرفية، بدل أن يستند إلى رؤية مؤسسية تؤسس لعقد وطني جامع يضمن الاستدامة السياسية.
المشكلة إذًا ليست في هوية الشرع المدعوم، بل في تحويل مسألة الحكم إلى اختبار قدرة على الإمساك بالميدان دون اشتراط بناء مؤسسات تشريعية مستقلة، وفصل حقيقي للسلطات، وتمثيل وطني واسع يتجاوز الاصطفافات الضيقة. وعندما تُغلّب الحسابات التكتيكية قصيرة الأمد على متطلبات البناء البنيوي، يصبح الدعم الخارجي استثمارًا مرحليًا قابلًا للتبدل مع تغير المصالح، لا شراكة استراتيجية راسخة.
إن الاستقرار الذي يُبنى على معادلات أمنية آنية، مع الكورد وغيرهم، قد يحقق هدوءًا مؤقتًا، لكنه لا يؤسس شرعية مستدامة ولا يمنع عودة التصدعات من داخل البنية الحاكمة. ومن هنا، فإن نقد هذا المسار يجب أن يتجاوز الأشخاص إلى نقد المقاربة ذاتها، مقاربة تُراهن على الضبط السريع بدل التأسيس العميق، وعلى التوازن المرحلي بدل الدولة القابلة للاستمرار.
لعل في هذا الطرح قدرًا من النقد الذاتي قبل أن يكون نقدًا للآخرين. فموقفي من الجولاني نابع من اعتراض جوهري على أيديولوجيته ومنهجه، وموقفي من ترامب يرتكز إلى نقد سياسته المتسرعة ونزعته إلى تحويل الملفات المعقدة إلى رهانات سريعة. ومع ذلك، فإن الاتساق الفكري يقتضي الاعتراف بأن المشكلة الأعمق لا تختزل في الأشخاص، بل في المنهج الذي يُنتجهم ويمنحهم شرعية ظرفية، ويُبقي الدولة رهينة معادلات عابرة بدل أن يجعلها مشروعًا وطنيًا مستدامًا.
