Beshir Shekhee

الغساسنة والمناذرة لم يكونوا دولًا، ولا ممالك، ولا إمارات، بل كانتا قبيلتين عربيتين تعملان كمرتزقة تحت يد الإمبراطوريات الكبرى، أي كيانين وظيفيَّين أُنشئا داخل صراع إمبراطوريات عظمى: الإمبراطورية البيزنطية والإمبراطورية الساسانية الكردية.

الغساسنة أدّوا دور حماة حدود مرتزقة في خدمة الإمبراطورية البيزنطية، وكانت مهمتهم حماية الحدود من الساسانيين مقابل بعض الامتيازات والرواتب والحماية السياسية. لم تكن لهم سياسة خارجية، ولا قرار حرب مستقل، ولا مشروع دولة، بل مجرد قبيلة مرتزقة تعمل تحت مظلّة بيزنطة.

والمناذرة لم يكونوا أفضل حالًا، بل النسخة المقابلة في المعسكر الساساني الكردي. حماة حدود، وسدّ بشري أمام الغزوات، وأداة لضبط القبائل البدوية ومنع الفوضى، مع هامش محلي ضيّق لا يرقى حتى إلى سيادة قبيلة. كانوا يُعزلون ويُعيَّنون ويُلغَون بقرار إمبراطوري كردي، وهذا وحده كافٍ لإسقاط صفة «كذبة مملكة» عنهم.

الأخطر في الخطاب القومي العربي المعاصر هو تحويل وظيفة عسكرية مرتزقة إلى هوية تاريخية شاملة، ثم الادعاء بأن وجود هذه الكيانات الوظيفية يجعل هذه الأراضي «عربية». هذا قلب فاضح للمنطق وشعور مكشوف بالنقص والدونية: فلو كان وجود وكلاء حدود يعني هوية الأرض، لكانت الشام رومانية لأنها خضعت لروما قرونًا، أو كردية لأنها كانت ساحة صراع كردي–بيزنطي.

باختصار: الغساسنة والمناذرة استُخدموا كمرتزقة تحت سيطرة البيزنطة والإمبراطوريات الكردية. كانوا أدوات في صراع إمبراطوريات، لا أصحاب مشروع حضاري أو قومي، وكل بناء قومي يُقام عليهم هو بناء هشّ، أيديولوجي، ومخالف للوقائع.