د. آزاد ديواني *
تُذكرني عقلية المؤامرة لدى بعض الساسة في القيادة الكردية بالوضعية في دراسة الظواهر الاجتماعية (ومن ضمنها السياسية)، والتي هيمنت على الفلسفة قبل ظهور التأويلية أو التفسيرية بزمن طويل. تفترض الوضعية أن العالم يسير وفق قوانين أو قوالب يمكن ملاحظتها وقياسها والتحقق منها تجريبياً، تماماً كالمعادلات الرياضية مثل 1 + 1 = 2. العقلية المتأثرة بالوضعية عادة لاتتكلف عناء البحث المضني بل تكتفي بالسطحية في الفهم. في المقابل، تُؤكد التفسيرية أن فهم الظواهر الاجتماعية يتأثر بالظروف المحيطة أو تتشكل أي معرفة عن الظواهر وفقاً لوجهات نظر مختلفة تتأثر بظروف محيطة بكل باحث أو دارس للظاهرة المعنية، وهذا الفهم ليس محكوم بحقائق ثابتة ولا يمكنه اعتبار أي ظاهرة اجتماعية بأنها ثابتة أو مطلقة. وفقًا لهذا، يشجع التفكير التفسيري على فحص ومقارنة التفسيرات المتعددة، فضلًا عن التفاعل المستمر مع مختلف مستويات التفاصيل والتفاصيل الفرعية لكل تفسير ولكل ظاهرة. ويأخذ هكذا إنهماك في التفاصيل بعداً هادفاً في تطوير حلول دقيقة تعالج مايراه الباحث أو صاحب القرار من أبعاد للمشكلة، وهكذا معالجة تسهم في نهاية المطاف في تحقيق نتائج أكثر فعالية.
في هذا السياق، ينظر المتأثرون بالعقلية الوضعية إلى قضية روجآفا وبدرجات متفاوته على أنها مؤامرة مطلقة، معتقدين أن للجهود الخارجة عن المؤامرة والمتآمرين قدرة ضئيلة أو معدومة على تغيير مسارها. أما من منظور التفسيرية فلا وجود لمؤامرة مطلقة؛ لأنها تنظر إلى الأحداث على أنها نسبية وتتأثر بكل العوامل المحيطه. ما يعني أن الوضع في روج آفا قابل للتغيير. يُبرز هذا الرأي تفاعل عوامل متعددة، تاريخية واجتماعية (سياسية) وإقليمية تؤثر وتتأثر بقضية روجآفا. لذا فإن التفسيرية تدعو إلى العمل المضني لفك رموز أو كشف تعقيدات قضية روجافا بدلا من الاستسلام للقوالب البسيطة. ووفقا لهذه النظرة يشجع العقل التفسيري على دراسة ومقارنة التفاسير المختلفة والعمل على إيجاد حلول أو أجوبة لكل التفاصيل الفرعية (وتفاصيل التفاصيل). والتي تشكل جسد العمل الجمعي في سبيل قضية روجافا.عملياً، غالباً ما يتجاهل الساسة الكرد المتأثرون بالعقلية الوضعية، المبادرات الفردية، مُفترضين أن القوى المهيمنة تمتلك المعرفة الكاملة وتتخذ القرارات النهائية. بمعنى آخر، هم ينظرون في كثير من الأحيان إلى المبادرات الفردية على أنها غير قادرة على إحداث تغيير إيجابي. في هذا السياق يرى الوضعيون أحياناً حاجةً دائمة إلى وجود قائد (وأحياناً سوبرمان) يُوجه العمل وينظرون إليه على أنه الأحق بإبداء المبادرات وإيجاد الحلول. بينما يبرهن التفسيريون ولا سيما ما بعد الحداثيين، بأن الأفراد قادرون على المبادرة والعمل بل حتى ممارسة القيادة بأنفسهم لإحداث تغييرات تتناسب مع جهودهم والظروف المحيطة.في نهاية المطاف، لا توجد عقلية وضعية مطلقة ومتطابقة؛ فهي تختلف في درجتها متأثرة بالظروف الإجتماعية والتاريخية (الوقتية) والجغرافية لكل فرد. لكنها آفة تؤثر بشكل سلبي على فهم العديد من الساسة الكرد للسياسة الدولية وبالتالي آدائهم.
*د. آزاد ديواني : هو أكاديمي وباحث مختص في دراسات السلام وحل النزاعات المسلحة، يقيم في لندن. يُعرف بمواقفه وتحليلاته السياسية التي تنتقد السياسات التركية في شمال سوريا والعراق، ويركز في أبحاثه على القضايا الكردية وحقوق الإنسان، وتوثيق الانتهاكات والجرائم الدولية، بما في ذلك ملف المياه.

