Beshir Shekhee
لكل أمة صوتها ولكل إنسان فنان يرافق عمره، لكن بعض الفنانين لا يعودون مجرد أصوات جميلة، بل يتحولون إلى جزء من هوية شعب كامل. نولد وأغانيهم تدور في البيوت، نكبر وهم يرافقون أفراحنا وأحزاننا، ثم نرحل بينما تبقى أصواتهم حيّة كأنها لم تغادر يوماً.
هناك فنانون كثر يملكون أصواتاً عظيمة وألحاناً ناجحة، لكن ليس كل صوت يسكنك، وليس كل أغنية تصبح جزءاً من ذاكرتك. لا يوجد فنان كامل، بل يوجد فنان يشبه الناس إلى درجة أنهم يكملون نقصه بحبهم.
وحين يتحدث الكرد عن ذلك الصوت، يتوقف الحديث غالباً عند اسم واحد: محمد شيخو.
لم يكن أسطورة صُنعت من الخيال، بل إنساناً حقيقياً عاش كل ما غنّاه. وُلد عام 1948 في قرية خجوكي قرب قامشلو ، وسط عائلة فلاحة بسيطة، وتعلّم الموسيقى على يد حسن توفو وخليل إزيدي قبل أن يسافر إلى بيروت عام 1970 لدراسة الموسيقى. هناك بدأت رحلته الحقيقية، وانضم إلى لجنة الفن الكردي في لبنان، وغنّى قصائد كبار الشعراء الكرد مثل ملاي جزيري وجكرخوين، فصار صوته يحمل شيئاً أعمق من الغناء… صار يحمل ذاكرة شعب كامل.
كانت حياته تشبه كردستان نفسها؛ مليئة بالتنقل والمطاردة والمنفى. سافر إلى بغداد عام 1972 وسجّل أغانيه في إذاعة بغداد وتلفزيون كركوك، فانتشر صوته في باشور كردستان. ثم عاد إلى دمشق وسجّل ألبومه الشهير «كەورێ» عام 1974، لكن التضييق الأمني لاحقه، فهرب إلى جبال كردستان والتحق بالبيشمركة.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الفن عنده مجرد موسيقى، بل صار شكلاً من أشكال المقاومة والبقاء.
بعد عام 1975 لجأ إلى إيران، وهناك شكّل فرقة موسيقية من جرحى المعسكرات في مهاباد، وسجّل أغنية «أي فلك» التي خرجت من قلب المنفى نفسه. وفي إيران أحب نسرين حسين ملك، ابنة أحد قادة البيشمركة، فتزوجها وغنّى لها «نسرين» التي تحولت لاحقاً إلى واحدة من أشهر أغاني الحب الكردية.
ثم عاد إلى قامشلو عام 1983، وافتتح محل تسجيلات أسماه «فلك»، لكن حتى ذلك المكان الصغير لم يسلم من التضييق، فأُغلق بالشمع الأحمر. تعب الجسد أخيراً، ومرض محمد شيخو، قبل أن يرحل في التاسع من آذار عام 1989، لتتحول جنازته إلى مشهد نادر؛ مدينة كاملة تسير خلف صوتها الأخير.
لهذا صدّقه الناس.
لم يكن يغني من برج عالٍ، ولم يتحدث بلغة متكلّفة. كان صوته طبيعياً، دافئاً، قريباً، كأن جاراً حزيناً يغني فوق سطح البيت عند المساء. حتى عزفه على البزق لم يكن استعراضاً موسيقياً، بل بدا وكأنه يعرف وجع الأرض أكثر مما يعرف النوتات.
وحين كان يغني: «عندما أموت أيها الأحياء، لا تدفنوني مثل الجميع، كل آذار أيقظوني» لم تكن الكلمات تبدو أغنية، بل وصية رجل يعرف أن صوته سيبقى بعده.
محمد شيخو لم يكن الفنان الأكثر بهرجة، ولا الأكثر تصنعاً، لكنه كان الأكثر صدقاً. عاش كفلاح بسيط، وتنقل كمنفي، وغنّى كإنسان يحمل وطناً كاملاً في حنجرته.
لهذا لم يبقَ صوته محصوراً بالكرد وحدهم. ففي بيروت اقترب من الوسط الفني اللبناني، وانتشرت أغانيه عبر إذاعة لبنان، وصار اسمه معروفاً خارج الحدود الكردية أيضاً، لأن الصدق الحقيقي لا يحتاج إلى ترجمة.
واليوم، بعد أكثر من ثلاثة عقود على رحيله، ما زال محمد شيخو حاضراً في كل بيت كردي تقريباً. ليس لأنه الأجمل صوتاً، بل لأنه الأقرب إلى الناس، والأكثر شبهاً بهم.
لم يكن نجماً بعيداً في السماء، بل كان تراباً في الحقل، وصوتاً يخرج من بيت فقير، وأباً يهمس لابنه، ومنفى يحاول العودة دائماً.
