Beshir Shekhee

في غمرة الغربة، وحين يشتدّ برد المنافي، نلوذ بالذاكرة.. هناك، حيث تقع تلك البقعة الدافئة من الأرض المسماة درباسية.

يكبر المرء منا في بلاد الله الواسعة، لكن قلبه يرفض المغادرة، ويبقى ساكنًا هناك في الصفوف الأولى من مدرستنا الابتدائية. في ذلك الزمن الطاهر، تعلّمنا الحرف من أفواه معلمين لا يعرفون الكراهية؛ معلمون سريان، إخوة في اللغة والوجدان، في وقتٍ كان فيه الضرب “وسيلة تربوية”، اختاروا هم أن يربّونا بالمحبة.

أحدهم كان في عيد المعلم يوزّع الهدايا علينا بدلًا من أن ينتظرها منا، كنا نزوره في بيته لأن الطيّب يُزار، وإن بقي في العمر نَفَسٌ واحد فلن ننساه. في الدرباسية، لم تكن الأخلاق فتاوى تُلقى، بل كانت تربية تُعاش، والشارع لم يكن فخًا.. بل كان حضنًا كبيرًا يتسع للجميع.


في الحارة الشرقية، كنا نخرج إلى أطراف الطبيعة فنسمع أصوات أجراس المواشي وهي ترعى بلا حراسة، وكأن الأرض أمّها الرؤوم. وفي كل صباح، تفتح الدكاكين أبوابها على روائح اللبن والخبز الطازج، بينما يصيح باعة الخضار بأسماء الفواكه والخيرات كأنهم يعلنون عن بدء مهرجان الحياة.

عصرًا، يمرّ “أبو جوني” على الأحياء، لا يحمل مذياعًا ولا جهاز بلدية، فقط دراجته “اليامها” وينادي بصوته الأليف: “يا جماعة، وقت التنظيف!”. فتخرج النساء بالمكانس، وتنزل الفتيات برشّ المياه، ويركض الأطفال بين الأرصفة وكأنهم يؤدّون طقسًا مقدّسًا اسمه: نظافة الحي مسؤولية القلب.

وعند المغرب، يأتي “نَسرتو”، لا يحمل بندقية بل ملصقات لأفلام هندية وفرنسية، يصيح: “سينما كذا… تعرض اليوم فيلم شامي كابور”، فنركض لنحلم داخل قاعة من كراسي الخيزران، ونظراتنا معلّقة بالسقف، نغزل من الخيال غدًا أجمل.

أما في الحارة الغربية، فكان للأرض طقس آخر؛ تُرشّ بالماء عصرًا، فتفوح منها رائحة التراب التي ترد الروح. هناك، تجلس عائلات السريان على الزوايا، كأنهم عطر قديم سكبه الزمن على الرصيف؛ حديث هنا، وضحكة هناك، ورائحة “بخجة سعدونكي” تملأ الحيّ بياسمين الألفة. أطفال على البسكليتات، وشباب يضحكون مع أصدقائهم وكأنهم يعانقون الهواء.

كُرد، وسريان، وأرمن، ويهود، وإيزيديون.. لم يسأل أحدٌ يومًا عن دين الآخر أو طائفته، بل كان السؤال الوحيد عن “النيّة”. كانت الهوية تُرى في العيون وصفاء القلوب.. لا في بطاقات النفوس.


كنا أطفالًا بقلوب بيضاء؛ حين نرى الشيخ يتوجه إلى المسجد، نركض نحوه ونقبّل يده تبركًا، وحين نرى القس بثوب قداسه قبل دخول الكنيسة، نفعل الأمر ذاته، بنفس الحماس وبنفس الطهر. فالكبير عندنا يُكرَّم ولا يُهان.

أتذكر وصايا أمي وهي تحفر في ضمائرنا قيم العِفّة والكرامة، كانت تقول: “إن دخلتم بيتًا، ورأيتم جرة من الذهب في الحوش ملقاة على الأرض.. لا تمدوا أيديكم إليها، سواء كان بيتًا سريانيًا، أو إيزيديًا، أو أرمنيًا، أو يهوديًا.. المال ليس لنا، والكرامة لا تُشترى”.

هكذا ربّونا.. على أن الإنسان لا يُقاس بمعتقده، بل بفعله وأخلاقه، وأن كل من يشاركنا هذه الأرض هو منّا.. من نفس التراب، ونفس الدمع، ونفس الشارع الذي كبرنا فيه.

وكل يوم، كان يطلّ علينا “أبو آرمين” ساعي البريد، بدراجته التي تعرف الأزقة أكثر مما تعرفها هو. يدق الأبواب لا ليأخذ توقيعًا رسميًا جافًا، بل ليسلّم رسالة مغسولة بدموع ابن مهاجر، أو بطاقة معايدة من خالة نسيت اللغة في بلاد الغربة.. لكنها لم تنسَ المحبة. كان البريد آنذاك أشرف من الوزارات.. وأصدق من شاشات التلفاز.

وفي الأعياد، كان الوجع يرتدي ثوب اللقاء؛ كنا نقف عند باب “محطة الدرباسية”، ذاك الباب الذي قطعه “سايكس بيكو” بسكين سياسي صدئ إلى نصفين: نصف المدينة صار سوريا، ونصفها الآخر صار تركيا. نلتقي أقاربنا من خلف الأسلاك الشائكة، نلوّح لهم بقلوب مفجوعة، نرمي الهدايا من فوق الحدود والقبلات تسافر في الهواء. الأمهات يمددن أيديهن عبر السياج الجارح، يُعطين قطعة قماش أو كيس شاي.. فتعود إلينا حفنة تبغ أو “سنجق” حلو المذاق، ونرسل السلام للجدّات المرابطات على خطوط الفراق.


هكذا كانت مدينتي: نعيش “نحن” بضمير المتكلم الجمعي، بلا ضجيج، بلا شعارات، وبلا خوف.

ثم جاء زمن الأغارب.. جاء من يسرق الابتسامة باسم “الوحدة القومية”، من حوّل السينما الحالمة إلى وكر حزبي ضيق، وحوّل دراجة الطفل البدائية إلى “جيب عسكري” متجهم، وجعل الرصيف الآمن خائفًا من همس الأقدام.

لكن، ورغم كل محاولاتهم البائسة، ورغم الفتن والشتائم المؤدلجة وتفتيت الألفة.. بقينا نحترم بعضنا، ونحب بعضنا، ونتذكر جيدًا: أننا لم نكن يومًا أقليات.. بل كنا وما زلنا نحن الأصل.

ما تعلّمناه من أمهاتنا وآبائنا في الدرباسية لا يُكتب في دساتير الدول، ولا يُعلَّق على جدران المحاكم، بل هو مخزون في الضمير كأقدس ما نملك.. ومن لا يملك ضميرًا، لن يعلّمه التاريخ شيئًا.

سلامٌ للدرباسية.. وسلامٌ لكل قلب حملها في حقيبته ورحل.