أحمد إسماعيل إسماعيل
نكرر دائماً الاتهامات للعقائد والنصوص والمفكرين والأدباء الذين قرأنا لهم ودخلنا عوالمهم. ولأننا كثيراً ما افتقدنا إلى المرشد، وإلى أدوات النقد والسؤال، تحولنا إلى تائهين في تلك العوالم. وحين خرجنا منها بعد زمن، أو أزمان، وجهنا اللعنات إلى أولئك المفكرين والنظريات والعقائد، وكأننا نقوم بعملية تطهير للذات وتبرئة لعقولنا المستلبة التي افتقرت إلى ملكة المحاكمة والتفكير النقدي.
بالنسبة لي، استفدت كثيراً في شبابي مما قرأته من الكتب الماركسية ومن الأدب الروسي على وجه الخصوص. ثم غادرت تلك المحطة في مرحلة لاحقة من حياتي، لكنني لم أرم حجراً في ذلك البحر العظيم الذي نهلت منه يوماً، بل اتجهت إلى محاكمة نفسي وعقلي وزمني؛ إلى مساءلة عدم إتقاني لفن السباحة والغوص وتلمّس الضفاف.
كما حاولت أن أفهم مجتمعي الذي ما يزال يرتهن بكليته؛ مرة للدين، ومرة للأيديولوجيا، ومرة للزعيم أو الحزب، ومرات لدول ومحاور، من دون أن يتوقف ليسائل نفسه عن أسباب هذا الارتهان المتكرر وإعادة إنتاجه جيلاً بعد جيل. وأن يدرك أن العلة ليست دائماً في الأفكار التي يتبعها، بل في العقل الذي يتلقاها، وفي الثقافة التي تشكله، وفي الوعي الذي يوجه نظرته إلى العالم.
ولعل ما عبر عنه المفكر اللبناني مهدي عامل يلخص هذه الفكرة بدقة حين قال: حتى النظرية العلمية تصبح متخلفة في العقل المتخلف.
مناسبة هذا الكلام كله أنني عثرت على صورة قديمة التُقطت لي في حديقة قامشلي العامة، الكائنة مقابل الملعب البلدي، وأنا طالب في البكالوريا، على ما أظن، عام 1980.
أتأمل الصورة اليوم فأبتسم وأقول:
هرمنا… وما زلنا نتعلم كيف نسأل.
وأن نبقى قادرين على مراجعة أنفسنا كلما ظننا أننا فهمنا كل شيء.
