Beshir Shekhee
«حين كان سمكو يقاتل من أجل كوردستان.. لم تكن العراق وسوريا الحديثتان قد وُلدتا بعد»
وُلد إسماعيل آغا ابن محمد باشا الشكاكي، المعروف في قلوب الكرد باسم سمکۆ، سنة 1887 في قرية جَهْرِق العليا جنوب سلماس في شرق کوردستان. نشأ في بيت إمارة، فوالده وجده علي خان كانوا أمراء قبيلة الشكاك، القبيلة التي حملت سيف الكورد على حدود بحيرة ورمێ منذ قرون.
لم يكن سمکو شيخ عشيرة يبحث عن غنيمة، بل كان منذ صباه يحمل هماً واحداً: أن يرى راية کوردستان مرفوعة فوق جبالها. تزوج من ابنة السيد طه، حفيد الشيخ عبيد الله النهري، فالتقت في بيته دماء الثورتين: الشكاك والنهري.
الدولة التي بناها بالبندقية
بين 1918 و1922، في اللحظة التي انهارت فيها الإمبراطوريتان العثمانية والروسية، مدّ سمکو سلطانه على أوسع رقعة حكمها كردي في العصر الحديث.
في ذروته صيف 1921، كانت تحت رايته:
في شرق کوردستان: كل الأرض غرب بحيرة ورمێ، من خوي وسلماس شمالاً، إلى ورمێ ومهاباد في الوسط، نزولاً إلى بانه وسردشت وسقز وشاهين دج جنوباً.
في جنوب کوردستان: أطراف من جبال هكاري ودهوك، حيث بايعته عشائر الهركي والزيبار.
اتخذ من مهاباد (ساوجبولاغ) عاصمة، وعيّن عليها حمزة آغا المامش والياً، ورفع علماً كُتب في وسطه “کوردستان سەربەخۆ”.
أصدر جريدة بالكردية والفارسية، وجبى الضرائب، وعيّن القضاة. لم تكن هذه غزوة قبلية، بل كانت نواة دولة.
لماذا خافه الفرس والترك والإنكليز؟
الفرس في طهران رأوا فيه خطراً وجودياً. جيشه الذي هزم الدرك في معركة شيكر يازي (21 كانون الثاني 1920) ثم أباد حامية مهاباد في 6–7 تشرين الأول 1921 وقتل أكثر من سبعمئة جندي، أثبت أن الدولة القاجارية عاجزة عن حماية أذربيجان. لذلك أرسل رضا خان بعد ذلك عشرة آلاف جندي مدجين بالمدفعية لاستعادة سلماس.
الترك الكماليون خافوا أن يصبح سمکو جسراً بين كرد الشمال وكرد الشرق. بعد أن ساعدهم في 1918، انقلبوا عليه سنة 1922 وزودوا الإيرانيين بالسلاح لإسقاطه، لأن كردستان مستقلة كانت ستقطع طريقهم إلى الموصل.
الإنكليز ، وهم سادة اللعبة بعد سايكس-بيكو، كانوا أكثر من خاف. في 1919 أرسل سمکو رسالة رسمية إلى المندوب البريطاني أرنولد ويلسن في بغداد يطلب فيها “الاستقلال لكردستان”. الجواب البريطاني كان الرفض، لأن لندن قررت في سان ريمو أن تجعل من ولاية الموصل الكردية جزءاً من عراق عربي تحت قيادة فيصل، لتضمن حقول النفط. تقريرهم السري “Kurdistan and the Kurds” سنة 1919 يصفه بأنه “غير قابل للضبط”، ويوصي بإبقائه ضعيفاً.
بعض النساطرة و إرتزاقهم للإنكليز.. الحلف الذي كسر الحلم
لم يكن سمکو يحارب دولة فقط، بل واجه تحالفاً بين النساطرة المتأشوريين والإدارة البريطانية. بعد الحرب، سلّح الإنكليز المرتزقة المتأشوريين في بعقوبة وشكلوا منهم “الليفي الآشوري” سنة 1921. هؤلاء، بقيادة مالك خوشابا وآغا بطرس، لم يكونوا لاجئين يبحثون عن أمان ، بل كانوا رأس حربة بريطانية لضرب أي مشروع كردي في شرق وجنوب کردستان.
الوثائق البريطانية نفسها تعترف أن المتأشوريين الجدد هاجموا قلعة جارى في صيف 1918 انتقاماً لمقتل زعيمهم، وأن الإنكليز وفروا لهم الغطاء الجوي والمال. كان الهدف واضحاً: منع سمکو من توحيد القبائل الكردية من سلماس إلى رواندوز، لأن ذلك كان سيُفشل مشروع عراق تحت التاج البريطاني.
مار شمعون.. ليس راهباً بل قائد حرب
الرواية التي تروج أن مار شمعون التاسع عشر بنيامين كان “رجل دين مسالم” هي تزوير للتاريخ. الحقيقة التي يعرفها أهل ورمێ أن الرجل كان يحمل صليباً بيد وسيفاً بالأخرى. كان البطريرك الزمني والروحي للمتأشوريين، يقود مليشيا مسلحة بالبنادق الإنكليزية، ويتفاوض مع الروس ثم مع الإنكليز على إقامة وطن آشوري على أرض كردستان.
عندما دعاه سمکو إلى جارى في آذار 1918 للتفاوض على التعايش، جاء مار شمعون على رأس وفد مسلح. الاشتباك الذي قُتل فيه لم يكن اغتيالاً لغدر، بل كان معركة بين مشروعين متناقضين على نفس الأرض: مشروع كردي للاستقلال ارضه، ومشروع إرتزاق آشوري مدعوم من لندن لاقتطاع شرق کردستان.
النهاية.. غدرٌ في شنو
بعد عشر سنوات من الحرب، وبعد أن خانه الحلفاء والأعداء معاً، استُدرج سمکو إلى فخ في 30 حزيران 1930. دعاه ضباط من جيش رضا شاه إلى اجتماع “صلح” في مدينة شنو في شرق کردستان. هناك، وبينما كان يتفاوض، أطلقوا عليه النار غدراً.
هكذا سقط أسد الشكاك، لا في ساحة معركة، بل بخيانة دولة كانت تخاف حتى من ذكر اسمه. حُمل جسده إلى سنه ودُفن أمام حي فلاح، لكن اسمه بقي.
سمکو لم يكن قاطع طريق كما كتب أعداؤه. كان أول كردي بعد مئات السنين يضع خريطة لكردستان على الطاولة في باريس ولندن وطهران، ويقول: هذه أرضنا. وإن سقط جسده في شنو، فإن حلمه ظل يمشي من مهاباد إلى قاضي محمد، ومن قاضي محمد إلى كل جبل لا يزال يردد: لا أصدقاء إلا الجبال.
