أحمد اسماعيل اسماعيل
حمَلَ الفَتَى يَاقُوتُ الْفَأسَ وهمَّ بقطْعِ شَجَرةِ التُّوتِ المْزْروعةِ مُنْذُ زَمنٍ بَعيدٍ فِي فِناءِ الْدارِ.
فتقلْصتْ تَقاسيمُ وَجهِ جَدَّته الَّتِي كانتْ جَالِسَةً بالقربِ من الشَّجرةِ، واسْتغْرَبتْ أنْ يقُومَ حَفِيدُهَا بِهذَا الفِعلِ!
سَألتْهُ الشَّجرَةُ:
- لماذا تُريدُ قَطْعِي يا يَاقُوت؟
فرَّدَ يَاقُوتُ: - لَقدْ كبِرتِ؛ وَفقَدتْ أَوْراقُكِ خُضرَتها.
نظَرَتِ الجَدَّةُ إلَيْه بِأسفٍ. وَقَالتْ الشَّجَرةُ: - إن الْتِصاقَ الْحَشرَات بأوْرَاقي هُوَ السَّبَب.
- تكثرُ الحَشَراتُ حَيْثُ يَنتشرُ الْوَسَخُ.
- لستُ الْمُذْنِبة في ذَلِك.
- لَقدْ قَرَّرتُ قَطعَكِ وانْتَهى الأَمْر.
اِنْكمَشَتْ الجَدَّةُ وَرَاحَتْ تَتَحسس عِظَامهَا الْوَاهنَة. وَقَالتِ الشَّجرة: - وَمَع مَنْ ستَلْعبُ بَعْدَ أنْ تَقْطعني؟
- سألعبُ معَ رِفَاقي في الْشَّارِع والْمَدْرَسةِ؟
- ومن سيُنقِي الهَوَاءَ القَادِمَ إلْيْكُم مِنْ الغُبْارِ، وَمَن سَينْشَرُ ظِلالِهُ على فِناءِ الْدَّارِ؟
ضَحِكَ يَاقُوت مِنْ حَدِيثِ الشَّجرةِ وَقَالَ: - إنكِ شَجَرةٌ مُتَخلِفةٌ، لَقَدْ اِسْتَعاضوا عَنْك بمُكيِّفاتٍ كهْرَبائيَّةٍ ومَظَلاَّتٍ كبِيرَة.
وهمّ بِقطْعِها. فاِنْقَبضَ وَجَهُ الجَدَّةِ حُزْناً. وَبَكت الشَّجَرةُ، فاسْتَغْربَ يَاقُوتُ ذلكَ وسألَهَا: - هَل أنْتِ خَائِفة أيَّتها الشَّجَرة؟
- لا. بَل أنا حَزِينَةٌ.
- عِنْدَما تَعْلَمين أن أَغْصَانك سَتَتحوَّلُ إلى وَقُودٍ للعَائِلَةِ في الشِتّاءِ، ويُستَفادُ مِن جَذَعكِ فِي صِنْعِ كَرَاسٍ وَطاولات، سَتَكْفين عنْ الْحُزْن.
فَقَالتْ لَه الشَّجرةُ: - ليسَ لِهَذا فَقَط وُجِدَتْ الأشْجَار؟
فرَّد يَاقُوت بِثِقةٍ: - بَلَى.
- يَا لَكَ مِن فَتَى أَحْمَق!
غَضِبَ يَاقُوتُ مِنْ قَوْلِ الشَّجرةِ وَهَوَى بِفَأسِهِ عَلَى جِذْعِها، فجَفَلتْ جَدَّتهُ وَتَقَلَّصَ وَجْهُها، وتألمتِ الشَّجرةُ، وَقَالَ: - سأجْعَلك تَندَّمِين أيَّتها الشَّجرةُ العَجُوز.
- إنَّ الغَضَبَ يُعمي الْبَصيرةَ، وَأنْتَ الآنَ فَتًى أعْمَى.
ازْدادَ غَضبَ يَاقُوتُ، وَهَوَى بِفَأْسِه عَلى جَذَعِ الشَّجرةِ مَرّةً أُخْرَى، ثُمَّ تَبِعَها بِضَرْبةٍ ثَانِيةٍ وثَالِثة. أخفَتْ جَدَّتهُ وَجْهَها بَيْن يَدَيْها المُجعَّدتين، وَواصَلَ هوَ ضَربَ الشَّجرةَ بِقوَّةٍ وغَضَب.
تذكرْتْ الشَّجرةُ يَاقُوتاً عِندْما كانَ يَلْعَبُ تَحْتَ فِيئهَا، وَيَلْتقطُ التُوتَ الأبْيضَ الذي كانً يَتَساقطُ مِنهَا، ويأكُلَهُ بِشهيَّةٍ، وَتذكَّرَتْ جَدَّته الَّتِي كَانتْ تَنْظرُ إليْهِ في أسَفٍ، يَوْم أُمْتَلأَ فَمهُ بِالبثُوُرِ، فلَجأتْ إلى الشَّجرَةِ التي قَدَّمتْ لَهَا التُّوتَ النِيءَّ وعَصِيرِه، ليَتمَاثلَ بَعْدَها للشِّفَاءِ وَيَتَعافى.
عِنْدَما كَانَ يَاقُوتُ يَهْوي بِفأْسِه عَلى جَذَعِ الشَّجَرةِ، سَقطَ مِنْ بَيْن أغْصَانِها عشُّ طائِرٍ، وَكَانَ في دَاخِلهِ عصفُورٌ صَغيرٌ، فَأسرَعَ إلى حَمْلِه، بحُنُو، لأنَّه كانَ يُحبُّ الطيُورَ كثيراً، غيْرَ أنَّ العُصفُورَ الأبَّ، التقطَ صِغيرَهُ من كفِّ يَاقُوت وقَالَ لَه:
-لا خَيرَ في عَطفِ مَن يَنكرُ جَميلَ غَيرهِ.
تَوَقَّفَ يَاقُوتُ لِلحَظاتٍ عَنْ ضَربِ الشَّجَرةِ، وقَدْ أحسَّ بالخَجَلِ، وبالنَدمِ الشَّديدِ، ومِن فَوْرِه، ألْقَى الفَأْسَ مِن يَدِهِ، وهَرَعَ نَحو جَدَّتهِ.
قبَّل يَدَها، واعْتَذرَ مِنْها بِشدَّةٍ، فَعَانقته الجَدَّةُ بحَنانٍ، وتَبَادلتْ مَعَ الشَّجرةِ ابِتسامةَ رِضا حلْوَة.
تنويه:
القصة منشورة سنة 2020 عن مكتبة الصفاء، الامارات العربية المتحدة.
أعيد نشرها هنا دعماً لعائلة الأشجار السورية وضد الهاشتاغ الطائفي المقيت: أنا لست شجرة
