Beshir Shekhee

من رمال الجزيرة الفراتية الكردية، بين ويران شهر وأورفة وماردين ودياربكر، وُلد عام 1843 إبراهيم باشا بن محمود بك من سلالة أيوب بك، زعيم اتحاد عشائر الملّية الكردية التي كانت تتكلم الكرمانجية وتضم مسلمين ومسيحيين في نسيج واحد. لم يكن نسبه سلسلة أسماء، بل إرث حكمٍ امتد من ضفاف الفرات إلى نينوى والحسكة، وجعل من ويران شهر عاصمته المنيعة.

تولى الزعامة عام 1863 وهو شاب تربّى بين الخيل والرماح، فبدأ يبني ما سيُسمى لاحقًا “الإمبراطورية المليّة” في قلب الدولة العثمانية.

قوته التي أرعبت الولايات

بحلول تسعينيات القرن التاسع عشر، كان يقود بقوته الخاصة ستة أفواج من فرسان الجزيرة سميت بالحميدية، كل فوج بين 500 و1150 فارسًا، فصار تحت يده جيش قبلي نظامي لم تعرفه الجزيرة من قبل. أمام هذه القوة، اعترف السلطان عبد الحميد الثاني به، ومنحه لقب باشا في إسطنبول عام 1902.

بسط نفوذه على نحو 400 قرية، من بيره جك على الفرات، مرورًا بروج آفا كلها، حتى الموصل على دجلة، وفرض الأمان على قوافل التجارة. كان يجبي الزكاة والعُشر، ويحمي الفلاحين، حتى قيل في تقارير القناصل إنه صار “ثاني أغنى رجل في الشرق بعد السلطان”، وإن مطالبه كانت تُطاع في ديار بكر أكثر من أوامر الباب العالي نفسه — وهي العبارة التي نقلها السفير الروسي زينوفييف.

حين اختلف مع أعيان دياربكر وفيهم ضياء كوك ألب، حاصر المدينة عام 1907 وأجبرها على الخضوع، فأرسل الباب العالي طلعت باشا نفسه مبعوثًا خاصًا لاحتوائه.

هيبته بين السلطان والغرباء

علاقته بعبد الحميد كانت أبوية: يناديه في الفرمانات “ولدنا إبراهيم”، ويمنحه لقب “مير ميران – أمير الأمراء”. وفي المقابل، كان إبراهيم باشا وفيًا لكنه عنيدًا: رفض إرسال ألويته إلى اليمن عام 1905، وخالف أوامر القصر حين حمى المسيحيين.

ففي مجازر 1895 التي ارتكبتها الدولة العثمانية، فتح أبواب ويران شهر للسريان والأرمن والنساطرة والكلدان، وشجّع الحرفيين على الاستقرار، فأنقذ آلاف الأرواح مخاطِرًا بغضب إسطنبول. لهذا صار لاحقًا مرجعًا للوطنيين الباحثين عن نموذج يتجاوز الطائفية.

الرجل الذي كان له ثقل بين الأوروبيين والعثمانيين

فتح خيمته لمناقشة الأوروبيين دهاءً لا خوفًا.

في 1899 زاره الألماني ماكس فون أوبنهايم، فأهداه تمثالًا حجريًا من سري كانيه. تلك الهدية قادت أوبنهايم لاحقًا إلى تل حلف، الآثار الكردية العريقة من القرن التاسع قبل الميلاد — آثار أجدادنا الكرد.

في 1906 زاره البريطاني مارك سايكس، مهندس سايكس-بيكو لاحقًا، وكتب بانبهار: “كان أكثر زعيم قبلي إثارة للاهتمام قابلته، وأبوه بيك كردي ذائع الصيت”. في خيمته ناقشه إبراهيم باشا عن مؤتمر الجزيرة الخضراء، وعن إنكلترا وإيرلندا، وعن الصحف التركية التي كانت تصله يوميًا.

وحّد القبائل الكردية المليّة والقراكيجية، وبعض القبائل العربية أصبحت تحت سيطرته كالطي، وحتى جزءًا من شمر، بعد أن هزمهم على نهر الزركان.

نهايته كما تليق بالأمراء

جاء انقلاب 1908 وجاء معه الاتحاد والترقي. رفض إبراهيم باشا الدستور الجديد، واندفع إلى دمشق ليدافع عن السلطان، ثم عاد ليجمع خمسة آلاف فارس حول ويران شهر.

حاصرته قوات الحكومة الجديدة، وحرّضت عليه العشائر. انسحب نحو جبال سنجار، ثم إلى مشارف نصيبين. هناك، في صيف 1908، توفي. تقول بعض المصادر العثمانية إنه توفي بالديزنطاريا أثناء انسحابه، بينما تذكر روايات أخرى أنه توفي متأثرًا بإصاباته أو خلال المطاردة. وتقول روايات أهلنا إنه قُتل في معركة.

لم يُتوَّج بتاج، لأن الأرض نفسها كانت تاجه.

لماذا نذكره اليوم

لأنه لم يكن مجرد زعيم قبيلة. كان أميرًا وقائدًا عسكريًا جمع حوله ستة أفواج وجعل الجزيرة آمنة للقوافل. سياسيًا حاور السلاطين والسفراء بلغتهم. إنسانًا حمى جيرانه المسيحيين حين كان القتل أسهل. أبًا لعائلة قاتل أبناؤها في ثورة هنانو 1920 ضد الفرنسيين.

أمير الأمراء إبراهيم باشا الملي لم يترك قصرًا من رخام، لكنه ترك اسمًا يُذكر في إسطنبول ولندن وبرلين في سطر واحد مع الملوك. القوة عنده لم تكن سيطرة، بل حماية. والهيبة لم تكن صراخًا، بل كلمة تُطاع من ماردين إلى الموصل، وكل روج آفاي كردستان.