Marzavan Arafat
في ثلاثينيات القرن الماضي، وفي بقعة هادئة من أرض كردستان الشمالية، في قرية شرنخ / جزيرة بوطان، ولد طفل لم يكن أحد يتوقع أن يصبح يوماً ذكرى دافئة في قلوب الكثيرين. كان اسمه إبراهيم بوطي. لم يكن ابن عائلة ثرية، ولا ولد في بيتٍ تحيط به مظاهر الرفاه، بل نشأ في بيئة بسيطة، قاسية أحياناً، لكنها كانت غنية بالقيم التي لا تشترى : الصبر، والكرامة، والعمل الشريف.
قضى العم إبراهيم سنوات طويلة من شبابه في تلك المنطقة، بعيداً عن أخيه الذي كان قد استقر في مدينة تربسبي. كانت تلك السنوات الأولى من حياته مليئة بالتحديات، إذ عاش وحيداً لفترة طويلة، يصارع قسوة الحياة كما يفعل كثير من أبناء تلك الأرض. لم يكن من أولئك الذين يشكون أو يشتكون، بل كان من الذين يواجهون الحياة بصمت، ويواصلون السير مهما كانت الطريق شاقة.
ومع مرور الزمن، وفي ستينيات القرن الماضي، اتخذ قراراً غيّر مسار حياته. قرر أن يلتحق بأخيه في مدينةتربسپي. وصل إليها شاباً وقد تجاوز سن الزواج، لكنه كان يحمل في داخله طاقة كبيرة للحياة والعمل وبناء المستقبل. سكن أول الأمر عند أخيه، وقضى فترات أخرى عند أقاربه من بيت آماد، إلى أن استقرت به الحياة وتزوج، ليؤسس عائلة محترمة ويبدأ فصلاً جديداً من حياته.
لم يستغرق اندماجه في حياة المدينة الصغيرة وقتاً طويلاً. فقد كان إبراهيم من أولئك الناس الذين يدخلون القلوب قبل البيوت. بطيبته وبساطته وأخلاقه الصادقة، أصبح سريعاً جزءاً أصيلاً من نسيج تلك المدينة المتنوع. لم يكن مجرد ساكن جديد، بل تحول مع مرور الوقت إلى شخصية مألوفة يعرفها الجميع، ويحترمها الجميع.
لم تكن أحواله المادية ميسورة. الحياة لم تمنحه الرفاهية، لكنها منحته شيئاً أثمن بكثير: الكرامة. لذلك لم يتردد في العمل في أي عمل شريف يضمن لعائلته لقمة حلال. عمل في مختلف الأعمال اليدوية واليومية في سوق المدينة. لم يكن يختار الأعمال السهلة أو الخفيفة، بل كان مستعداً لأن يعمل في أصعبها وأكثرها مشقة.
فقد عمل في تفريغ وتحميل الشاحنات، وحمل الأثقال على كتفيه تحت شمس الصيف الحارقة. كما شارك في أعمال الصب والباتون، وفي الحفريات، وفي بناء البيوت التي ما زالت ربما تقف شاهدة حتى اليوم على عرقه وتعبه. كان من أول الواصلين إلى ورشة العمل، وآخر من يغادرها. يعمل بصمت، دون شكوى، وكأنه يعتبر العمل رسالة أكثر من كونه مجرد وسيلة للرزق.
وفي أيام الصيف القاسية، حين كانت الشمس تحرق الأرض والناس يهربون إلى الظل، كان إبراهيم يقف في السوق عتالاً يحمل البضائع على ظهره. لم يكن يفعل ذلك حباً في المشقة، بل حباً في اللقمة الحلال التي يطعم بها أبناءه وعائلته. كان يؤمن أن العرق الشريف هو أكرم طريق للحياة.
لكن رغم كل تلك الأعمال التي قام بها، بقي هناك عمل واحد ارتبط اسمه به في ذاكرة الناس أكثر من غيره. عمل لم يكن فيه مال ولا أجر، بل كان فيه إنسانية خالصة.
كان إبراهيم، مع مجموعة من رجال جيله، بمثابة مكتب دفن الموتى لأهل المدينة والقرى المجاورة.
فما إن يُسمع نداء من إمام الجامع أو الكنيسة ، أو يصل خبر وفاة أحد أبناء المدينة، حتى يترك إبراهيم ما في يده من عمل. لم يكن يسأل من المتوفى، ولا من أهله، ولا ما الذي سيجنيه من ذلك. كان فقط يعرف أن هناك إنساناً يجب أن يُودَّع بكرامة.
كان يجمع رفاقه ويتجهون فوراً إلى المقابر:تربسپي،گرداهول، دوگر، أو حلوة.
هناك، تحت السماء المفتوحة، وفي برد الشتاء أو حر الصيف، كانوا يقومون بكل ما يلزم:
يحفرون القبر، يهيئون المكان، ويساعدون أهل الفقيد في مراسم الدفن.
لم يكن هذا العمل سهلاً. فحفر القبور عمل ثقيل حتى على الجسد، لكنه أثقل على القلب. ومع ذلك كان العم إبراهيم يؤديه بروح هادئة وكأنه يؤدي واجباً مقدساً تجاه أبناء مدينته.
كان يترك عمله الذي يقتات منه ليقوم بهذا العمل الرائع دون مقابل، ودون انتظار كلمة شكر. كان يفعل ذلك لأن ضميره الإنساني كان أكبر من كل حسابات الدنيا.
ومع مرور السنوات، أصبح اسمه مرتبطاً بهذا الدور النبيل. كان الناس يعرفون أنه عندما تحين لحظة الوداع الأخيرة لأي إنسان في تلك المدينة، فإن إبراهيم سيكون هناك، بصمته ووقاره، يساعد في إتمام الرحلة الأخيرة بكرامة.
ولم تكن أمانته أقل من كرمه وإنسانيته. فقد كان معروفاً بين أهل المدينة بأنه رجل أمين وعزيز النفس. إلى درجة أن بعض التجار كانوا يسلمونه مفاتيح دكاكينهم عندما يضطرون للغياب، مطمئنين إلى أن مفاتيح أرزاقهم في يد رجل لا يعرف الخيانة.
كان إبراهيم مثالاً للرجل البسيط الذي يعيش بكرامة، ويعامل الناس بصدق، ويؤمن أن الإنسان يُقاس بأخلاقه لا بما يملك.
مرت السنوات، وكبر الأبناء، وتغيرت الحياة. وفي سنواته الأخيرة، قرر أن يهاجر إلى كردستان العراق ليلتحق بأولاده الذين استقروا هناك. كان ذلك القرار مزيجاً من الحنين إلى العائلة والتعب من سنوات العمل الطويلة.
هناك، بعيداً عن المدينة التي عرفته، وعن الأزقة التي سار فيها، وعن المقابر التي حفر فيها قبور الكثيرين، بدأت مرحلة جديدة من حياته. لكن المرض كان قد بدأ يزحف ببطء.
دخل إبراهيم صراعاً طويلاً مع المرض. سنوات من التعب والمعاناة، عاشها بصبره المعهود. لم يكن حوله كثير من أولئك الرفاق الذين شاركوه درب الحياة والعمل في تربسبي. فقد فرّقتهم السنوات والمسافات.
وفي نهاية المطاف، رحل إبراهيم عن هذه الدنيا بهدوء… كما عاشها تماماً.
رحل الرجل الذي حفر قبور الكثيرين بيديه، لكن القدر شاء أن يدفن بعيداً عن رفاقه الذين شاركوه ذلك العمل النبيل. لم يكن هناك أحد من أولئك الرجال الذين كانوا يقفون معه في المقابر ليحفر قبره هذه المرة.
ترك العم إبراهيم بوطي، ذلك الرجل البسيط، وراءه أثراً لا تمحوه السنوات. فقد كان مثالاً للإنسان الذي عاش بكرامة، وعمل بجد، وخدم الناس دون انتظار مقابل.
سيظل اسمه في ذاكرة من عرفوه، وفي حكايات من سمعوا عنه، مثالاً للنقاء والبساطة والإنسانية.
ألف رحمة على روحه الطاهرة. 🌿
