Beshir Shekhee
إحسان نوري باشا لم يكن جنرالاً عابراً في التاريخ، بل كان جبل آرارات يمشي على قدمين. علّم الكرد أن الهيبة ليست في عدد الطائرات فوقك، بل في عنادك وأنت ترفع علمك فوقها.
ولد في بدليس عام 1892، وتخرج من المدارس العسكرية العثمانية وقاتل في الحرب العالمية الأولى. بعد تأسيس الجمهورية التركية، شهد قمع ثورة الشيخ سعيد عام 1925، فترك الجيش الذي خدمه، لأن البندقية التي يحملها كان يجب أن تغيّر اتجاهها نحو وجه كل من يحاول إيذاء الكرد.
بين 1927 و 1930 قاد الجناح العسكري لثورة آرارات بدعم من منظمة خويبون. اتخذ من الجبل عاصمة، وأعلن حكومة كردية مؤقتة، ورفع العلم الكردي. لم تكن حركة قبلية، بل محاولة منظمة لبناء كيان يقول للعالم إن الكرد أصحاب الأرض والتاريخ، أحفاد الملوك والأباطرة.
دخل في مواجهة مفتوحة مع دولة مصطفى كمال أتاتورك. واجه تفوقاً جوياً وحصاراً خانقاً وغياباً كاملاً للدعم الدولي. في صيف 1930 قصفت الطائرات مواقع الثوار حتى سقطت الثورة عسكرياً، ودُمرت مئات القرى انتقاماً.
بعد الانهيار انسحب إلى إيران وعاش في حي نواب في طهران لاجئاً تحت رقابة أمنية. حين مُنع من حمل السلاح، حارب بالكتابة، فألّف “تاريخ أصل الكورد”.
في 25 آذار 1976 اغتيل في حادث سيارة، وسُجل في الأوراق كلاجئ، بينما كان في ذاكرة الكرد قائداً.
هيبته كانت في قرار الانشقاق، وقوته في تحويل تمرد إلى جيش منظم، وعناده في أنه لم يسلم ولم يساوم. إنجازه لم يكن نصراً عسكرياً، بل كسر حاجز الخوف ووضع فكرة الدولة الكردية على الطاولة لأول مرة بشكل واضح.
أثره على الأصدقاء أنه علمهم أن الجغرافيا وحدها لا تصنع دولة بل السياسة والوحدة. وأثره على الأعداء أنه أجبر أنقرة على الاعتراف بوجود قضية حتى لو بالقصف.
أعداؤه أدركوا خطورته مبكراً. أنقرة التي كانت تبني أسطورة الدولة الواحدة، اضطرت لأول مرة أن تستخدم سلاح الجو ضد ثوار الكرد، وأن تحشد جيشاً كاملاً لجبل واحد. لم يكن إحسان نوري يملك طائرات، لكنه جعل أقوى جيش في المنطقة يعترف بأن فكرة كردية واحدة تستحق كل هذا الخوف. هذا هو معنى القوة الحقيقية.
اليوم، بعد قرن تقريباً، لا تزال ثورة آرارات تدرس الكرد درساً قاسياً وواضحاً. غياب الدعم الدولي قتل الثورة، والانقسامات الداخلية أضعفتها، والجغرافيا وحدها لم تحمها. إحسان نوري لم يترك لنا دولة، لكنه ترك لنا خارطة طريق: لا تعتمد على وعود الخارج، وحّد صفك قاتل بروح واحدة، وحين تقاتل، قاتل كصقر يعرف متى يرتفع ومتى يضرب.
إحسان نوري باشا يذكرنا أن الثورات لا تقاس دائماً بنتائجها بل بجرأتها. الأحلام التي تُقصف بالطائرات لا تموت. نحن أحفاد دياكو وآسب سالار، ملوك وأباطرة الأرض والجبال.
