خالد حسو
من أخطر ما يُصيب المجتمعات ليس اختلاف الآراء، بل غياب ثقافة الحوار. فهناك من لا يناقش فكرة، ولا يحلل حدثًا، ولا يرد على حجة، وإنما ينطلق من موقف مسبق تجاه صاحب الرأي، فيُوجّه سهامه إلى الشخص بدلًا من الفكرة، ويستبدل المنطق بالتجريح، والدليل بالتشهير، والحوار بالعداء.
هذه ليست ممارسة فكرية، بل حالة من الإفلاس الثقافي؛ لأن الفكرة لا تُواجه إلا بفكرة، والحجة لا تُدحض إلا بحجة. أما حين يصبح صاحب الرأي هو الهدف، فإن النقاش يفقد قيمته، ويتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات الشخصية وإشباع الأهواء.
سياسيًا، لا يمكن لأي مجتمع أن يبني حياةً عامة سليمة إذا أصبحت الشخصنة هي اللغة السائدة. فالديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع، بل ثقافة تقوم على احترام التعددية، وصون حق الاختلاف، وإدارة الخلاف بالحوار. أما استهداف الأشخاص بدلًا من مناقشة السياسات والبرامج، فإنه يزرع الانقسام، ويُغذي الاستقطاب، ويُضعف الثقة بالمؤسسات، ويجعل الولاءات الشخصية تتقدم على المصلحة العامة.
فكريًا، فإن اللجوء إلى مهاجمة الأشخاص بدلًا من تفنيد أفكارهم يكشف ضعف الحجة لا قوتها. فالعقول الواثقة تناقش الأدلة، أما العقول العاجزة فتبحث عن العيوب الشخصية، وكأن إسقاط الإنسان يغني عن إسقاط الفكرة. والحقيقة أن الفكر لا يُقاس بأسماء أصحابه، بل بقدرته على الصمود أمام النقد الموضوعي والمنطق السليم.
اجتماعيًا، يترك هذا السلوك آثارًا عميقة في نسيج المجتمع، لأنه يُغذي ثقافة الكراهية، ويقوض الثقة بين الناس، ويجعل سوء الظن هو الأصل بدلًا من حسن النية. فحين يتحول الاختلاف إلى خصومة شخصية، تتراجع قيم الاحترام والتسامح، وتُستبدل بروح الانتقام والإقصاء. والمجتمعات المتماسكة لا تُبنى على التشهير، بل على الاعتراف بحق الآخرين في التفكير والتعبير، حتى وإن اختلفنا معهم.
وغالبًا ما يكون من يعتاش على الإساءة إلى الآخرين عاجزًا عن إثبات ذاته بإنجاز أو علم أو خلق، فيحاول أن يصنع لنفسه مكانة عبر التقليل من قيمة غيره. لكنه ينسى أن احترام الناس لا يُنال بهدم الآخرين، وإنما يُكتسب بالنزاهة، وسعة الأفق، ورقي الأخلاق، والقدرة على إدارة الاختلاف بأدب ومسؤولية.
وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، ازدادت هذه الظاهرة انتشارًا بصورة مقلقة، بعدما تحولت بعض المنصات إلى ساحات للمزايدات والشخصنة والتشهير، بدلًا من أن تكون فضاءات للحوار وتبادل المعرفة. فبضغطة زر، تُطلق الأحكام، وتُشن حملات الإساءة، ويُحشد المتابعون ضد الأشخاص دون تمحيص أو تحقق، فيختلط النقد المشروع بالتنمر والتشهير والتحريض. والأسوأ من ذلك أن بعض الأفراد يجدون في هذه المنصات فرصة لإشباع نزعاتهم العدائية خلف شاشات تمنحهم شعورًا زائفًا بالقوة، بينما يكشف سلوكهم في الحقيقة عن أزمة أخلاقية وثقافية، لا عن قوة في الرأي أو ثقة بالنفس.
قانونيًا، فإن حرية التعبير من أعظم الحقوق التي تكفلها الدساتير والمواثيق الدولية، لكنها ليست رخصة للتشهير أو التحريض أو انتهاك كرامة الآخرين. فالقانون يحمي حق الإنسان في أن يُعبّر، كما يحمي حقه في صون سمعته وكرامته. ولذلك، فإن المسؤولية الأخلاقية والقانونية تقتضي أن يكون النقد موجّهًا إلى الفكرة والسلوك العام، لا إلى الحياة الشخصية أو الكرامة الإنسانية.
إن المجتمعات التي تُعلي شأن الحجة على الشخص، والعقل على الانفعال، والقانون على الأهواء، هي وحدها القادرة على التقدم. أما المجتمعات التي تنشغل باغتيال الأشخاص بدلًا من مناقشة الأفكار، فإنها تُهدر طاقاتها في صراعات عبثية لا تُنتج معرفة، ولا تبني وطنًا، ولا تصنع مستقبلًا.
ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تسيء إلى الأفراد فحسب، بل تُفسد الوعي العام، وتُضعف ثقافة الحوار، وتدفع الكثير من أصحاب الرأي إلى الصمت خوفًا من حملات التشهير والإساءة. وعندما يخاف أصحاب الفكر من التعبير، يرتفع صوت الضجيج على صوت العقل، ويصبح الانفعال بديلاً عن الحكمة، والعداء بديلاً عن الحوار.
فالاختلاف سنة إنسانية، والحوار فضيلة حضارية، والنقد ضرورة للتطور. لكن الشخصنة، والتشهير، والكراهية ليست أدوات إصلاح، بل وسائل هدم. وستبقى الحقيقة بسيطة وواضحة: الفكرة تُناقش، والحجة تُفند، أما الإنسان فكرامته يجب أن تبقى فوق الخصومات والخلافات. ومن يعجز عن مواجهة الفكرة، يلجأ إلى استهداف صاحبها، فيخسر معركته مع الفكر قبل أن يبدأها.
