Marzavan Arafat
ينحدر المرحوم محمد صالح درويش (محمد أحمد محما رمو موسى) من أسرة كردية عريقة، عرفت بمكانتها الاجتماعية في كردستان الشمالية ، وتمتد جذورها إلى جزيرة بوطان، إحدى أهم الحواضر التاريخية الكردية. وفي مراحل لاحقة استقرت العائلة في قلعة بونسرا (Kelha Bûnisra) الواقعة بين برية ماردين وجزيرة بوطان، في المنطقة المعروفة باسم وادي سيسبان (نەوالا بونسرا)، وكانت القلعة إحدى المعالم التاريخية التي ارتبط اسم الأسرة بها عبر أجيال متعاقبة.
ولد محمد صالح عام 1936 في قلعة بونسرا، ونشأ في بيئة حملت إرثًا من الأصالة والعراقة، فانعكس ذلك على شخصيته التي جمعت بين الاعتزاز بالجذور والانفتاح على المستقبل. منذ نعومة أظفاره، تميّز بحب المعرفة والفضول، وشغفه بكل جديد، ولا سيما في مجالي الميكانيك والكهرباء، إلى جانب رؤية مستقبلية سبقت سنّه. ومع تقدّمه في العمر، أصبح شخصية اجتماعية متزنة في محيطه، وسياسيًا واقعيًا من الجيل الأول الذي انضم إلى صفوف الحركة الكردية منذ تأسيسها، مؤمنًا بأن خدمة المجتمع والدفاع عن قضيته مسؤولية أخلاقية ووطنية.
في بلدة صغيرة، تربسبي، لم تصل إليها بعد وسائل الترفيه الحديثة، ولم يكن فيها تلفاز، وكانت الأجهزة الكهربائية نادرة للغاية. بدأ محمد صالح عمله في تصليح أجهزة الراديو والمسجلات، تلك الأجهزة التي كانت تمثل نافذة البلدة على العالم، ووسيلة الفرح لسكانها. كان الناس يقصدونه ليس فقط لإصلاح أجهزتهم، بل لاستعادة أصوات أحبّوها ولحظاتٍ ارتبطت بذكرياتهم، إذ امتلك مهارةً جعلت الأجهزة تعود إلى الحياة بين يديه.
ومع مرور السنوات، وبعد أن اكتسب خبرة واسعة وسمعة طيبة بين الناس، قرر أن يؤسس متجره الخاص للأدوات الكهربائية والمنزلية في مركز المدينة . لم يكن متجره مجرد محل تجاري، بل أصبح ملتقى للأصدقاء والجيران، يجد فيه الناس رجلًا صادقًا، كريمًا، بشوشًا، يساعد المحتاج، ويبيع بالتقسيط لمن ضاقت بهم الأحوال. وكان نجاحه التجاري ثمرة اجتهاده وصبره، وفي الوقت نفسه وسيلة تؤمّن له حياة مستقرة تمكّنه من خدمة مجتمعه والاستمرار في نشاطه الوطني.
إلى جانب حياته العملية والاجتماعية، كان محمد صالح عضوًا نشطًا في البارتي الديمقراطي في سوريا. لم يكن نشاطه الحزبي ظاهرًا، بل اتسم بالحذر والسرية، إدراكًا منه لطبيعة المرحلة وما كانت تحمله من مخاطر على كل من ينخرط في العمل السياسي المعارض. كان يلتقي برفاقه في أماكن آمنة، ينقل الرسائل، وينسق الاجتماعات، ويحرص على أن تمر جميع التحركات بعيدًا عن أعين الأجهزة الأمنية.
وكانت شخصيته الحزبية مثالًا للحكمة والاتزان؛ يعرف متى يتحدث ومتى يستمع ، وكيف يوازن بين حياته العامة وواجبه الوطني. ولم يدرك كثيرون حجم دوره إلا بعد سنوات، إذ أسهم في بناء شبكة واسعة من العلاقات السياسية داخل البلدة وخارجها، وشارك في تطوير التنظيم الحزبي حتى وصل إلى أعلى المراتب القيادية، بينما ظل في نظر الناس رجل أعمال ناجحًا، مرحًا، كريمًا، وأنيقًا.
كان صباحه يبدأ مع شروق الشمس، يفتح متجره ويستقبل زبائنه بابتسامته الدائمة. يعرف أسماءهم، ويتذكر أحوالهم، ويعامل الجميع بمحبة واحترام، دون تمييز بين غني وفقير. وكان معروفًا بأناقته اللافتة؛ بدلاته مرتبة، وربطة عنقه متقنة، وخطواته خفيفة، حتى شبّهها البعض بمشية رجل قادم من شوارع باريس.
وخارج ساعات العمل، كان من رواد المقهى المحلي، يجمع بين روح الدعابة ولعب الشدة، فيحوّل الجلسات إلى مساحة للضحك والألفة، بينما كان حضوره القوي وكرمه ولباقته يجعلانه محبوبًا لدى الجميع.
وفي سنواته الأخيرة، انتقل إلى مدينة القامشلي، سعيًا لتوسيع تجارته، لكنه لم يتخلَّ يومًا عن نشاطه الوطني. واصل هناك أداء دوره التنظيمي بهدوء، محافظًا على شبكة علاقاته، ومقدمًا الدعم للحزب بعيدًا عن الأضواء، دون أن يفقد صورته كرجل أعمال محترم وإنسان قريب من الناس.
ترك محمد صالح درويش أثرًا لا يُمحى في كل مكان عاش فيه. فقد جمع في شخصيته بين الطموح والشجاعة، وبين النجاح التجاري والخدمة المجتمعية، وبين الحكمة والسرية في العمل الوطني. وحتى بعد رحيله، بقي اسمه حاضرًا في ذاكرة تربسبي والقامشلي، يتردد في المجالس والمقاهي والأسواق، مقرونًا بالكرم، والأناقة، والابتسامة، والإخلاص لقضيته.
تبقى سيرة السيد محمد صالح سيرة إنسان كرّس حياته لخدمة الآخرين، متجاوزًا حدود الانتماءات الضيقة، ومؤمنًا بأن العمل الإنساني الصادق هو الأثر الأجمل الذي يتركه الإنسان بعد رحيله.
