د.خيرالدين حسن

لم يكن شيكير آغا مجرد مالك للأراضي أو زعيم عشيرة، بل كان بطلاً شعبياً أسطورياً صاغت العدالة والشجاعة والنبل شخصيته في أحضان جبال سَرحد. كان سيد القلعة الشهيرة (Kelê)، وعُرف بكرمه الذي لم يردّ فقيراً قصده، وعدالته التي تحمي الضعفاء، وكبريائه الذي لا ينحني. حيثما كان، لم يكن للظلم مكان؛ فكانت كلمته عهداً، وموقفه درعاً يبعث الطمأنينة في نفوس قومه. لقد وضع شرفه وحريته وكرامة شعبه فوق كل شيء، حتى فوق حياته نفسها، ولذلك بقي شيكير آغا في الأدب الشفهي الكردي وفي أغاني الدنكبێج رمزاً خالداً للروح الحرة الأبية التي لا تعرف الركوع.

وهكذا تبدأ قصة هذا الرجل المهيب، المأساوية والمشرّفة في آنٍ واحد:

عندما بدأت الشمس تغيب خلف جبال سَرحد المكللة بالضباب، خيّم صمت ثقيل على أبراج القلعة. وقف شيكير آغا على أعلى الأسوار، يتأمل خيام الجيش الأسود التي غطّت السهل بأسره. لم يكن في قلبه أثر للخوف، لكن في عينيه حزن عميق وثقل وداعٍ استقر في كل زاوية من المكان.

كانت نداءات الرسل القادمة من أسفل: «استسلم، واترك القلعة وارحل»، ترتطم بجدران القلعة الحجرية الباردة ثم تتلاشى. أما بالنسبة لشيكير آغا، فإن الرحيل كان يعني التخلي عن الحياة نفسها؛ لأن الحياة بذلّ وانكسار كانت، في قاموسه، أشد مرارة من الموت.

استدار نحو رفاقه الأوفياء، ونظر في أعينهم. كانت الشفاه متشققة من الجوع والعطش، لكن عيونهم لم تحمل إلا الوفاء والإيمان الراسخ بعدم الاستسلام. وفي تلك اللحظة، انطلقت الصيحة الكبرى التي شقّت عنان السماء، وبدأ الهجوم العظيم.

دام الحصار أياماً طويلة لا تعرف الرحمة. تشبعت حجارة القلعة بالدماء، وامتلأت أركانها برائحة البارود. وكان شيكير آغا في مقدمة المقاتلين دائماً، وسيفه في يده، يقاتل وسط وابل الرصاص وكأنه ملحمة حية تمشي على الأرض.

لكن الزمن كان قاسياً؛ نفدت الذخيرة، وجف الماء، وبدأت القلعة العظيمة تتحول شيئاً فشيئاً إلى قبر كبير.

وسقط رفاقه الأوفياء واحداً تلو الآخر إلى جواره، لكنه ظل ثابتاً حتى آخر أنفاسه، رافضاً أن يركع أو يسلّم شرفه لذلك الظلام. وحين سقط ذلك السند العظيم أخيراً، ارتفعت من أبراج القلعة أصوات النساء بالنواح، واختلطت بالريح لتظل تتردد بين الجبال.

ربما أغمض شيكير آغا عينيه في ذلك اليوم ورحل عن الدنيا، لكنه منذ ذلك الحين يولد من جديد في كل أغنية يرددها الدنكبێج، وفي كل صوت يرتجف وهو يروي بطولته.

ملاحظة: أُنتج هذا الكليب وسُجّل استناداً إلى الرواية التي سمعها Alexandre Jaba من Mele Mehmûdê Bazidî.