خالد حسو
ليست كل القيادات قادرة على قراءة التاريخ وصناعة المستقبل؛ فالفارق كبير بين قيادة تمتلك رؤية واضحة، وتدرك حجم المرحلة، وتعمل وفق مشروع استراتيجي طويل الأمد، وبين قيادة تكتفي بالتعامل مع الأحداث بعد وقوعها، وتبقى أسيرة ردود الأفعال، فتفقد القدرة على المبادرة وصناعة القرار.
ففي عالم السياسة، لا تكفي النوايا الحسنة ولا المطالب المشروعة وحدها، بل تحتاج الشعوب إلى قيادات تمتلك القدرة على التخطيط، وقراءة التحولات، وتحويل المتغيرات إلى فرص. فالقيادة الحقيقية لا تكتفي بوصف الواقع، بل تعمل على تغييره، ولا تنتظر ما يقرره الآخرون، بل تسعى لأن تكون شريكًا في رسم المستقبل.
إن الشعوب لا تحتاج إلى قيادات تدير الأزمات فقط، بل تحتاج إلى قيادات تبني المشاريع، وتؤسس للمستقبل، وتجمع الطاقات، وتضع المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة. فالتاريخ لا يذكر من اكتفى بمراقبة الأحداث، بل يذكر من امتلك الرؤية والشجاعة لاتخاذ القرارات في اللحظات الحاسمة.
وفي الحالة الكوردية في سوريا، تبدو الحاجة أكبر من أي وقت مضى إلى الانتقال من مرحلة ردود الأفعال إلى مرحلة الفعل السياسي المنظم، ومن إدارة الخلافات إلى بناء مشروع جامع يستند إلى رؤية واضحة، ويحافظ على الحقوق، ويعزز حضور الشعب الكوردي كشريك أساسي في مستقبل سوريا.
فالقيادة لا تُقاس بكثرة التصريحات ولا برفع الشعارات، وإنما بقدرتها على توحيد الصفوف، وبناء المؤسسات، وخلق الثقة، والاستفادة من الفرص التاريخية. فالأمم لا تتقدم عندما تنتظر الظروف المناسبة، بل عندما تمتلك قيادات قادرة على صناعة الظروف المناسبة.
إن المرحلة الحالية تفرض على القيادات الكوردية في سوريا مسؤولية تاريخية؛ مسؤولية التفكير بعقلية الأجيال القادمة، لا بعقلية اللحظة العابرة. فالمستقبل لا يُمنح لمن ينتظر، بل لمن يستعد له ويعمل من أجله.
هناك فرق كبير بين من يخطط للمستقبل ويمتلك بوصلة واضحة، وبين من يمشي هائمًا وسط الأحداث دون مشروع أو اتجاه. الأول يصنع مكانه في التاريخ، أما الثاني فقد يجد نفسه جزءًا من مشاريع الآخرين بدل أن يكون صاحب دور في صياغة مستقبله.
