د.خيرالدين حسن

يُعد البروفيسور الدكتور شهيده إيبو (Sehîdê Îbo)، المعروف أيضًا باسم Sehîdê Rizgo Îbo، أحد أبرز أعلام الثقافة الكردية في القرن العشرين، ومن الشخصيات التي استطاعت أن تجمع بين الطب والأدب وخدمة المجتمع. فقد كرّس حياته لعلاج المرضى، وفي الوقت نفسه سخّر قلمه للدفاع عن اللغة الكردية وتراث شعبه وهويته الوطنية.

وُلد في 8 أيار/مايو 1924 في قرية قارخونه (Qarxûn) بأرمينيا السوفيتية، ونشأ في أسرة كردية بسيطة. توفي والده وهو لا يزال طفلًا، فعاش سنواتٍ من الفقر والعمل الشاق، حيث اضطر إلى رعي الأغنام في طفولته. إلا أن هذه الظروف لم تمنعه من متابعة تعليمه، حتى أصبح أحد أبرز الأطباء والأكاديميين الكرد.

تخرج في معهد يريفان الطبي عام 1957، ثم نال درجة الدكتوراه في الطب من موسكو عام 1961، وتخصص في طب الأطفال. وبفضل كفاءته العلمية، أصبح رئيسًا لقسم طب الأطفال في معهد يريفان الطبي، كما انضم إلى عدد من الجمعيات الطبية الدولية، ونشر أكثر من مئة بحث علمي في مجال طب الأطفال، ليحظى بمكانة مرموقة داخل الاتحاد السوفيتي وخارجه.

لكن شهيده إيبو لم يكن طبيبًا فحسب، بل كان أيضًا أديبًا وروائيًا وشاعرًا بارزًا. كتب باللغة الكردية (الكرمانجية)، وركز في أعماله على الهوية الكردية، ومعاناة الإنسان، والحياة الاجتماعية للكرد، ولا سيما كرد القوقاز. ومن أشهر أعماله رواية “Kurdê Rêwî” التي تُعد من أبرز الروايات الكردية، إلى جانب دواوين شعرية وكتب ثقافية وطبية باللغة الكردية.

آمن شهيده إيبو بأن الحفاظ على اللغة والثقافة الكردية مسؤولية تقع على عاتق المثقفين، لذلك عمل على نشر المعرفة العلمية والأدبية بلغته الأم، وساهم في تعزيز مكانة الثقافة الكردية داخل الأوساط الأكاديمية والثقافية.

ورغم أنه لم يكن ناشطًا حزبيًا، فإن مواقفه اتسمت بالدفاع عن الحقوق الثقافية والقومية للشعب الكردي، وعن حقه في الحفاظ على لغته وهويته، وهو ما جعله يحظى باحترام واسع بين أبناء شعبه.

في 17 كانون الأول/ديسمبر 1991، اغتيل داخل مكتبه في معهد يريفان الطبي، في فترة شهدت اضطرابات سياسية وقومية عقب انهيار الاتحاد السوفيتي. ولا تزال ظروف اغتياله موضع جدل، ولم تُحسم القضية بصورة نهائية.

ترك شهيده إيبو إرثًا علميًا وأدبيًا كبيرًا، وبقي اسمه حاضرًا بوصفه رمزًا للمثقف الكردي الذي جمع بين رسالة الطب ورسالة الأدب، وبين خدمة الإنسان والدفاع عن هوية شعبه. ولا تزال مؤلفاته تُقرأ حتى اليوم، ويُستذكر باعتباره أحد أهم رواد النهضة الثقافية الكردية في القوقاز، ورمزًا خالدًا من رموز الفكر والأدب الكردي.