بقلم: محمد حمو

لم تغزُ قريتنا دبابة، ولم تسقط عليها قذيفة، ولم يدخلها جيش. دخلتها فقط… شاشة.
ظهرت أولًا كضيفٍ بريء فوق الأسطح، طبقٍ معدني يلمع تحت الشمس كأنه قطعة سماء سقطت ولم تنكسر. لم نفهم ما الذي ستحمله إلينا، لكننا كنّا متأكدين أنها تحمل شيئًا لنا وحدنا. خلال أشهر تغيّر كلُّ شيء: خفَتَ صوتُ المعاول في الحقول، تراجع الطلاب عن الدراسة، اختفى الضحك من الساحات، وقام الرعاة بدور المرشدين وصار الليل أطول لأن الناس لم يعودوا ينامون مبكرًا. لم يمت أحد، ومع ذلك بدأت الجنازات. ولم يُهجَّر أحد، لكن البيوت صارت فارغة من أصحابها وهم أحياء.
حين عدتُ بعد غيابٍ قصير، شعرتُ أن القرية لم تُحتلّ… بل أُقنعت أن تُسلِّم نفسها طوعًا.
كنتُ قد غادرتُها قبل سنوات، لا لأنني أشجع من الآخرين، بل لأن الحلم هناك كان يضيق بنا كغرفة بلا نوافذ. في المدينة اكتشفتُ أن العالم أوسع مما تخيّلناه… وأضيق أحيانًا من شاشةٍ على جدار.
عام 1995 وصلنا خبرٌ هزّ القرية: قناة فضائية جديدة باللغة الكردية. لغتنا — التي كانت تُطارد في المدارس والدوائر — صعدت إلى السماء وستعود إلينا صوتًا وصورة. لم نسأل كيف؛ فالمحرومون لا يملكون ترف الشك. تحوّل الحلم إلى قطعة معدن تُثبَّت فوق السطح. كان ثمنها يكفي لإطعام عائلة عامًا كاملًا، ومع ذلك باع الناس ما يملكون. حين يصبح الأمل قابلًا للتركيب، يتراجع الطعام إلى المرتبة الثانية.
كنتُ أتمنى امتلاك واحد، لكن المال لم يكن يكفي. زوجتي كانت ترى أن الغسالة أ توماتيكية أريح من الأخبار؛ فالنظافة اليومية لا تؤجَّل، أما الوعود فبإمكانها الانتظار. قبل أن نحسم جدالنا جاء الاعتقال.
السبب: مسرحية أطفال كتبتُها بلغتنا. لم يكن فيها سوى الضحك، لكن في ذلك الزمن كان ضحك الأطفال بلغتهم جريمة. خرجتُ بعد أشهر أقلَّ سذاجةً، وأكثر فهمًا لكلفة الكرامة. تبخّر المال في الرشاوى، وعدتُ إلى حياتي ببطء، كأنني أتعلم المشي في عالمٍ سبقني بسنوات.
اشترى جاري أول جهاز استقبال في الحي. صرنا نجتمع في غرفته كل مساء، صامتين أمام الضوء الأزرق. حين سمعتُ لغتي تُنطق علنًا لأول مرة، شعرتُ بشيء يشبه المعجزة: لغة أمي التي كانت تُقال همسًا صارت تُقال بثقةٍ كأنها لم تُهزم يومًا. لكن شيئًا ما كان ناقصًا. كل شيء بدا كاملًا أكثر من اللازم: بطولات بلا خسائر، تضحيات بلا ألم، واقع بلا شقوق. نظافة تُقلق أكثر مما تُطمئن. توقفتُ عن المشاهدة.
بعد أيام جاء جاري ليلًا. جلس طويلًا دون أن يتكلم، ثم قال بصوتٍ خافت: تركتني وحدي أمامها… صدّقتها حتى ابتلعتني. إنها لا تريد فقط من الشباب أن يموتوا في الجبال… بل تريد منا أن نسلّم عقولنا ونحن أحياء، لا يطيق العاقل الاستمرار أمام هكذا شاشة؛ فثقلها كفيل بأن يشلّ التفكير.
في الصباح ذهبتُ إلى قريتي. لم يستقبلني أحد. الساحة فارغة، الدكاكين مغلقة، حتى الكلاب لم تكن تنبح. الصمت كان كثيفًا إلى درجة أنني شعرت أنه يراقبني.
أخبرني رجل عابر: الجميع في بيت فلان… يشاهدون التلفزيون.
دخلتُ البيت. كان مكتظًا حتى الجدران. رجال ونساء وأطفال، وجوه مضاءة بضوء أزرق بارد، عيون لا ترمش، أنفاس بطيئة كأنها لا تريد أن تُسمع. لم يلتفت إليّ أحد، كأن دخولي لم يحدث. ركض طفل نحوي وهمس بفرحٍ طفولي: عمو! ثعلب في التلفزيون تكلّم بالكردية! ضحك… ولم يضحك أحد سواه.
حاولتُ التعليق على خبر أعرف حقيقته، فقال رجل دون أن ينظر إليّ: التلفزيون قال غير ذلك.
عندها أدركتُ أن الحقيقة لم تعد فيما نراه، بل فيما تُبثّه الشاشة، التي تشبه المَرعى حيث تتشابك مسارات الذئاب والكلاب، ولم يعد بالإمكان التمييز بين الحقيقة والباطل. خرجتُ وأنا أشعر أنني أصغر من ظلّي.
بعد ذلك بدأت الأخبار تصل تباعًا: شباب تركوا المدارس. فتيات اختفين. مجموعات صعدت إلى الجبال مع أشخاص لا يعرفهم أحد.
ثم بدأت المواكب: أغانٍ، أعلام، شعارات، صور… وتوابيت فارغة.
في أحد بيوت العزاء رأيت أمًّا تزغرد بدل البكاء. لم تكن قاسية… بل مُدرَّبة. كانت تزغرد كأن قلبها أُبدل بشيءٍ لا ينبض. بعد أشهر التقيتُ شابًا من قريتنا في سوق المدينة. كان يحمل كيسًا أثقل من جسده.
قال: تركتُ المدرسة.
قلت: لا تقل! كنتَ من الأوائل.
قال ببساطة: التلفزيون قال إن الدراسة بلغة الأعداء لا فائدة منها. ثم أضاف دون انفعال: سالتحق بشقيقتي في الجبل… وأنا ذاهب إليه. رفعتُ رأسي. كانت الأسطح قد امتلأت بالأطباق اللاقطة، موجَّهة بدقة نحو السماء، كأن القرية رفعت آذانها إلى الأعلى… لا لتسمع الحقيقة، بل لتتلقّى ما يُقال لها إنه الحقيقة.
عندها فهمتُ أخيرًا: الرصاص يقتل مرةً واحدة…
أما الكلمة، حين تتحول إلى يقينٍ مُصنَّع، فقد تقتل جيلًا كاملًا دون قطرة دم. ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أخشى الرصاص… بل أخشى الشاشة. لأنها لا تقتلنا… بل تسمح لنا بقتل أنفسنا ونظن أننا منتصرين.
—————————-