أحمد إسماعيل إسماعيل
لا شك في أن الابتعاد عن السياسة في مجتمعاتنا المقهورة يُعد نوعًا من الترف، وقد يتحول الصمت الواعي أمام القمع إلى تخل عن واجب الضمير، غير أن ذلك لا يعني أن ينخرط الجميع في العمل السياسي المباشر، أو أن تتحول السياسة إلى المجال الوحيد للحضور والتأثير في المجتمع وخدمته..
فلو استعرنا من عالم السياسة مثلاً مفهومين أساسيين كنا نرددهما دائمًا دون وعي حين كنا نثرثر في مواضبع السياسة وهما: الاستراتيجية والتكتيك، وهذان المفهومان حاضرين في العلم العسكري أيضاً، باعتبار أن القوة العسكرية قد تكون إحدى أدوات السياسة وصورها، بل قد تكون تعبيراً عن عجز السياسة أو القفاز الحديدي لها، فإنني أرى أن المثقف والسياسي يمكن أن يلتقيا في المجال الاستراتيجي، ولكن يصعب عليهما أن الالتقاء والتوافق في المجال التكتيكي.
لأنهما قد يتفقان على الغايات الكبرى، كالحرية والعدالة وكرامة الإنسان، غير أن الالتقاء والتوافق في مجال التكتيك، الذي يتسم بكثرة التبدلات والمناورات المواكبة لتغير الوقائع على الأرض، قد يُربك ذلك موقع المبدع ويسيء إلى استقلاله. لأن غرقه في التفاصيل التكتيكية، وما أكثرها، يزيد من خطورة ابتعاده عن الثوابت والقيم التي يسهم من خلال إبداعه في صياغتها وترسيخها.
غير أن ذلك لا يعني أن يمتنع عن اتخاذ موقف من واقعة محددة، أو عن المشاركة في شأن عام حين يقتضي ضميره ذلك، لأن المشكلة هنا ليست في اقتراب المبدع من الوقائع، بل في تحوله إلى تابع لسلطة أو حزب أو خطاب دعائي، يساهم في تبرير تبدلات هذا الحزب ومساوماته، مما يفقد المثقف قدرته على النقد والمساءلة.
أعتقد أن مهمة المبدع، الذي ينبغي أن يكون له موقف سياسي وأخلاقي واضح، ليست ملاحقة الوقائع اليومية والانجرار وراء تبدلاتها، بل قراءة الواقع وتشريحه، والحفر في أعماقه، وكشف تناقضاته، وإضاءة دروبه. لأن انشغاله بمطاردة الأحداث المتسارعة، سيفقده المسافة التي تتيح له رؤيتها في سياقها الأوسع، ويتوه في تفاصيلها.
وشتّان ما بين الوقائع والواقع، حتى في المجال الإبداعي؛ فالوقائع عابرة ومتبدلة، أما الواقع فأعمق منها.
وقد تكون دعوة الجميع المتكررة إلى ممارسة السياسة صادقة لدى البعض، وذلك نتيجة حالة القهر الممارس على المجتمع، لكنها حين تتحول إلى مطلب عام وشامل، بل واجب، قد تدفع المجتمع إلى حالة من الاستقطاب والصراع اليومي، وتختزل قيمة الإنسان في موقفه السياسي وحده. كما هو حادث في مجتمعنا الكردي، إذ باتت قيمة الفرد منا مرهونة بموقفه من هذا الحزب أو ذاك، وهذه القيادة أو تلك، وفي ذلك ما يفسر لنا تراجع مساحات الفن والأدب والعلم والفكر كردياً، وغياب الوعي العميق في مجالات حياتنا ومأساتنا وتاريخنا. غلبة الاصطفافات الحزبية والشعارات الجوفاء التي حلت محل المفاهيم والأفكار والرؤى.
إن أي مجتمع، مجتمعنا الكردي المقهور بالذات، لا يحتاج إلى سياسيين فقط، بل يحتاج أيضًا إلى المبدع الذي يكشف ما تعجز السياسة عن رؤيته، وإلى الفنان والعالم والمفكر الذين يوسعون أفق الإنسان ويحفظون لمجتمعه تعدده وحيويته.
قد لا أجانب الحقيقة إن قلت، وبلا تردد،: ليس مطلوبًا من المبدع أن يصبح سياسيًا محترفًا، بل أن يمتلك وعيًا سياسيًا وموقفًا أخلاقيًا، مع احتفاظه بالمسافة النقدية التي تمكنه من مساءلة الجميع والانحياز إلى الإنسان حريته وكرامته وقضية شعبه.
