د.خيرالدين حسن
لم تعد السياسة تُمارس فقط في البرلمان، ولا في الاجتماعات، ولا خلف الأبواب المغلقة.
أصبحت تُمارس أمام الكاميرا.
صورة، تصريح، مقطع قصير، شعار مثير، ثم آلاف الإعجابات والمشاركات.
وبينما تتغير أدوات التواصل، يحدث شيء أكثر خطورة: بدأنا نخلط بين الظهور والتأثير، وبين الشهرة والكفاءة، وبين الضجيج والحضور السياسي.
من يجيد صناعة الصورة قد يبدو أكثر حضورًا ممن يمتلك المعرفة.
ومن يتقن صناعة العناوين والشعارات قد يبدو أكثر تأثيرًا ممن قضى سنوات يقرأ التاريخ ويفهم المجتمع والسياسة.
ومن يستطيع إشعال الجدل في دقائق، قد يصبح في نظر البعض أكثر أهمية ممن بنى مواقفه خلال سنوات من العمل والمواقف والمسؤولية.
وهنا تبدأ المشكلة.
السياسة ليست مسابقة في عدد المشاهدات.
والمواطن ليس متابعًا ينتظر المقطع التالي.
والمجتمع ليس جمهورًا في مسرح يحتاج كل يوم إلى عرض جديد.
السياسة في جوهرها مسؤولية، والمواطن ليس رقمًا في عداد المتابعين، بل إنسان يملك حقوقًا وذاكرة ومستقبلًا وقرارًا قد يغيّر مصير مجتمع بأكمله.
المشكلة إذن ليست أن السياسي يستخدم وسائل التواصل.
على العكس، أصبح الإعلام الرقمي وسيلة مهمة للوصول إلى الناس، وشرح القضايا، ونشر المعرفة، وفتح المجال أمام أصوات لم تكن تجد طريقها إلى المنابر التقليدية.
المشكلة تبدأ عندما تتحول الأداة إلى غاية.
عندما يصبح السؤال:
كم سيحقق هذا التصريح من المشاهدات؟
بدلًا من:
ما الحقيقة؟ وما مصلحة الناس؟
عندما يصبح الموقف السياسي مصممًا لإرضاء الجمهور بدل أن يكون نابعًا من قناعة ومسؤولية.
عندما يصبح السياسي مستعدًا لتغيير خطابه مع تغير اتجاه الخوارزمية.
وعندما يصبح ما يثير الغضب أهم مما يشرح الحقيقة.
هنا لا تعود وسائل التواصل مجرد وسيلة للتواصل.
بل تصبح هي التي تصنع السياسة نفسها.
هناك سياسي يستخدم المنصة لخدمة قضية.
وهناك من يستخدم القضية لخدمة منصته.
الأول يريد أن يكسب ثقة الناس.
والثاني يريد أن يكسب انتباههم.
الأول يبحث عن أثر يبقى.
والثاني يبحث عن مقطع ينتشر.
الأول يتحدث عن المشروع.
والثاني يتحدث عن نفسه.
وهذا هو الفارق بين من يريد أن يترك أثرًا في حياة الناس، ومن يريد أن يترك أثرًا في خوارزميات المنصات.
والأخطر من ذلك أن المشكلة لا تقع على السياسي وحده.
نحن أيضًا أمام ثقافة سياسية بدأت تكافئ من يجيد الظهور، لا من يستحق الظهور.
فالخوارزمية لا تعرف من هو الأعلم.
ولا تعرف من هو الأصدق.
ولا تعرف من دفع ثمن مواقفه.
هي تعرف شيئًا واحدًا فقط:
ما الذي يجعل الناس تتوقف وتشاهد؟
ولهذا قد يحصل صاحب المعلومة السطحية على ملايين المشاهدات، بينما يبقى صاحب المعرفة العميقة بعيدًا عن الأضواء.
وقد ينتشر تصريح كاذب خلال ساعات، بينما تحتاج الحقيقة إلى أيام أو سنوات حتى تصل إلى الناس.
وقد يتحول الشخص الأكثر إثارة للجدل إلى “صوت مؤثر”، فقط لأنه يعرف كيف يستفز الجمهور.
وهنا يجب أن نتوقف قليلًا.
ليس كل مشهور مؤثرًا، وليس كل مؤثر صاحب مشروع، وليس كل من يملك جمهورًا يستحق أن يقود هذا الجمهور.
عدد المتابعين لا يمنح أحدًا شهادة في الحكمة.
والمشاهدات لا تصنع زعامة.
والتصفيق لا يصنع تاريخًا.
السياسي الحقيقي لا تصنعه الكاميرا.
تصنعه المواقف.
تصنعه سنوات العمل.
تصنعه القدرة على تحمل المسؤولية عندما يكون القرار صعبًا.
تصنعه شجاعة الاعتراف بالخطأ.
وتصنعه القدرة على قول الحقيقة حتى عندما تكون الحقيقة غير شعبية.
السياسي الحقيقي هو من يستطيع أن يقول:
“أخطأنا.”
وأن يقول:
“لا أعرف.”
وأن يقول:
“هذا القرار لن يعجب الناس، لكنه القرار الصحيح.”
هذه هي المسؤولية السياسية.
أما أن يتحول السياسي إلى منتج إعلامي، والحزب إلى علامة تجارية، والقضية إلى خلفية لصورة، والتاريخ إلى مادة انتقائية، والمواطن إلى مجرد رقم في إحصائيات المشاهدة، فهذه ليست حداثة سياسية.
إنها اختزال للسياسة إلى محتوى.
والثقافة ليست بمنأى عن ذلك أيضًا.
فالمثقف الحقيقي ليس من يملك أكبر جمهور، بل من يضيف شيئًا إلى وعي هذا الجمهور.
ليس من يملك أكثر العبارات انتشارًا، بل من يملك القدرة على فتح الأسئلة الصعبة.
ليس من يكرر ما يحب الناس سماعه، بل من يملك الشجاعة ليقول ما يحتاج الناس إلى سماعه.
هناك فرق بين أن تصنع جمهورًا، وأن تصنع وعيًا.
الأول قد يحتاج إلى كاميرا.
أما الثاني فيحتاج إلى معرفة وصدق وشجاعة.
وفي النهاية، يمكن لأي شخص أن يتعلم كيف يقف أمام الكاميرا.
ويمكن لأي شخص أن يصنع عنوانًا مثيرًا.
ويمكن لأي شخص أن يجمع المتابعين.
لكن لا يمكن شراء التاريخ.
ولا يمكن شراء الوعي.
ولا يمكن خداع الناس إلى الأبد.
لذلك، عندما تنطفئ الكاميرا، وينتهي التصفيق، وتسقط أرقام المشاهدات، يبقى السؤال الحقيقي:
ماذا قدمت للناس؟
ماذا بقي من مواقفك عندما لم تكن هناك كاميرا؟
ماذا فعلت عندما كان الصمت أكثر راحة؟
وماذا بقي من مشروعك عندما انتهى العرض؟
السياسة ليست مسابقة في الظهور.
والزعامة ليست رقمًا تحت صورة.
والثقافة ليست عددًا من المتابعين.
والمواطن ليس جمهورًا في مسرح.
المواطن هو صاحب الحق، وصاحب القرار، وصاحب المستقبل.
أما السياسي والمثقف، فقيمتهما لا تُقاس بعدد من ضغطوا زر الإعجاب، بل بعدد العقول التي أضاءوها، والمواقف التي تحملوا مسؤوليتها، والأثر الذي تركوه في حياة الناس.
فالسياسة مسؤولية قبل أن تكون شهرة، والثقافة وعي قبل أن تكون حضورًا، والمواطن إنسان قبل أن يكون متابعًا.
وفي النهاية، هناك سؤال واحد يكشف كل شيء:
عندما تنطفئ الكاميرا… ماذا يبقى منك؟
